تخاريف

 

ليس هناك ما هو أكثر خداعاً فى هذه الحياة أكثر من تلك النبطة بداخلك والتي تخبرك بأنه من الممكن أن يكون أمل ما. هذا الأمل الذي تعرف أنه لن يعود. 
ليلة رحيلي كتبت علي ورقة ” السفر مثل الموت، كله فراق” فى اللحظة التي سافرت فيها علمت بأننا ننطلق إلي طريق اللاعودة ولكن لهذه قصة أخري. 
لكن ذاك القلب ينبض بكل شئ له. ذاك الذي كان دائماٌ الغائب الذي لا يحضر وكان هو المشتاق الذي لا ينسي ذاك الغائب
لم يحلم سوي بحياة كالحياة , وبقي في مكانه فلا هو بموتٌ ولا هو انتحار
لم يسعي لنا ذاك الميت الغائب سوي للهزيمة في حروب الحب والامل والحرية. 

إعتاد الطبيب إخباري بأن كل شئ علي ما يرام ولكنني أعرف أن هذا ليس صحيح وأن زميلته الطبيبة التي رأيت دمعتين تهربان من حكاياتي تخبرني بأن لا شئ سيعود. 
منذ الثاني من ديسمبر وأنا أعرف، أعرف كل شئ، اعرف أن الهروب لن يجر سوي أذال الخيبة علي ذلك الموجع بنبضه. 
الطب كتب للعقلاء، كتب لهؤلاء المعلقين بأمل ما وليس لمن يجر أذيال اليأس. 
ما فائدة كل تلك العلاجات أنا لا أعرف؟. يخبرني أيضاً هذا المغرور أن الدعم النفسي جزء مهم من العلاج 
لم أخبره أن لا أحد يعرف. لم اخبر أي أحد. لا أحد كان ينبغي أن يعرف. محاولتي الوحيدة لإخبار “كل شئ” كانت النهاية لكل شئ
كانت “بضعة سلايدات” هي المهمة فى كل ذلك الوقت. 
لن يعرف أحد، لا أريد لأحد أن يعرف. هذا المغرور لن يعرف كل ذلك وهو لا يهتم فأنا بالنسبة له بضعة مئات من الدولارات تدفعها شركة التأمين 
أحيا ليس لأن لدي أمل. أحيا لأنني يجب أن أفعل. 
درويش قال يوماً ووافقت أن أحمل عبئ قلبي وحدي 
ولكن 
الحمل يا درويش أصبح ثقيل ولم تعد فقط الروح قالجسد الذي يحملها يذبل. 
ولم يعد لدي الكثير من الطاقة لحمل عبئ كل شئ. فقط أحتمل بقدر الإمكان حتي لا أري عبئ معرفة أمي 

عزيزي درويش، التظاهر بأن كل شئ علي ما يرام ومحاولة الادعاء بأن الحياة تسير وأن كل شئ تم تخطاه لمدة سنتان هو الجحيم 
طبيبتي لا تعرف عنها الحقيقة . لم أخبرها عنها الكثير، حاولت أن أخبرها أنني بالفعل كنت الطرف السئ فى حكايتها وأنا اتألم من أجل كل هذا. 
لم أخبرها عن كمية الكوابيس والأحلام التي تغزو منامي كل ليلة منذ ذاك اليوم.
لم أخبرها عن كل تلك النغصات فى القلب فى أوقات الفرح التي لم أفرح بها. لم أعتد علي الفرح بدونها. لم أعتد علي أي شئ بدونها. 
أشغل وقتي بالكثير من الأمور.
هل تعلم عزيزي درويش. لم يخبرني الطبيب عن كلايشيهات السرطان المعتادة عن وقت الحياة المتوقع. لم يقل سوي أنه هناك وسوف نعالجه. 
فى وقت ما كان هذا سيهم لكن هذا الطبيب لم يفعل شئ مستهجن فلم يعد الأمر مهم. 
أحاول الهروب بالنوم. ولعمرك فهذا أصبح ليست وسيلة للهروب أيضاً فقد غزاها هذا الجسد وأصبحت ضرورة بيولوجية. 
أهتم بالكثير من الأمور. أحاول دراسة الكثير من الأشياء التي اهتميت بها يوماً ما. 
هل تعلم السنة السابقة. قرأت كل دوواينك ودوواين أصدقاءك الشعراء الذين كانت تعتب علي كوني لم اقرأ لكم كفاية. 
أحاول قراءة الكثير من الكتب التي أردت قراءتها يوماً ما فلا أعرف ما سيتحدث بعد. 
تتغير الحياة وتتغير هي وكل شئ يدور ولا شئ توقف فى هذه الحياة بينما أنا أسير نفسي وأسير ماضي تليد يا درويش 
أبكي كالأطفال وأحاول مداراة دموعي كل مرة بدولاب الكذبات التي أعتدت إخبار نفسي بها. 
هذا الدولاب كبير يا عزيزي ولكن هل تعلم ما الكذبة الوحيدة التي لا تحتويه.
كل شئ سيكون علي يرام” 
أنا وأنت وهذا الطبيب وزميلته التي توقفت منذ مدة عن زيارتها وكل الأخرين بردائهم الأبيض الذين رأوا كل شئ يعرفون أنه لن يكون أي شئ علي ما يرام 

صديقك غسان كتب علي لسان سائق الشاحنة عن “لماذا لم يدقوا جدران الخزان” 
فى الثاني من ديسمبر عندما رحلت فقد عرفت لماذا من السهل أن تدق جدران ذلك الخزان 
وهذه المعرفة قاسية للغاية يا عزيزي وقد كلفتني كل شئ. أو ما كان سيتبقي علي الأقل. 
ولكن مع كل المعرفة فما زال السؤال يتسلل إلي عقلي بين الحين والأخر ويخبرني 
“لماذا لم أقل لها فقط ؟” 
كنت سأخبرها حسب هذا السؤال المتسلل بأنني كذبت عليها وأنني لم أكن فى ذلك اليوم أذاكر لامتحان ثاني يوم بل كنت أتعامل مع صدمة معرفة كل هذا 
كان من المنطقي لولا أنها لم تكن تغيرت وأصبح كل شئ هشاً بيننا أن أخبرها بكل شئ. ولكن ما الذي كان سيحدث ؟ هذا هو السؤال المتسلل الأخر. 
هذا المتسلل الأخر هو ما عرفه أبطال “فى الشمس” يا درويش. أدركه غسان وأدركته أنا بعده بنصف قرن تقريباً.

حسناً دعنا الأن من كل هذه التخاريف ودعني أودعك يا درويش لأذهب لأذاكر هذه المرة بصدق.
امتحان نفس المادة التي أدرسها للمرة الثانية.
بعيداً فى أرض غريبة .سأظل غريباً فيها ولن أعود 
نعلم أنا وأنت أنه “لا يوجد ما يستحق الحياة” وأنك كنت كاذب. 

النيل وعيناك

عندما تهت فى عينيك فى لقاءنا الأول فى معرض الكتاب كانت ابتسامتك الساحرة تلك عالم أخر ما زلت أعيش علي ذكراه حتي اليوم. لا زالت ذكريات ذلك اليوم تمتزج بذكريات مراهقتي علي شاطئ نيل مدينتي التي رغبتِ فى زيارتها يوماً لكن لم تكتب لنا الأقدار هذا الأمر. الحب أمر غير منطقي، هكذا قلت لك مبرراً لك وقوعي أسيراً لك بهذه السرعة ولكن كما هو غير منطقي فجراحه أكثر ايلاماً. لم أخبرك أنني احببت أغاني وائل جسار المبتذلة فى مراهقتي، كنت أتمتم مع أغنيته “اعذريني يوم زفافك مقدرتش أفرح زيهم” بينما نسمات النيل تلفحني.
كنت منطلقاً ولم أعاني يوماً ما من شعور اللهفة أو جربت طعم الفراق او ألم أن أشعر بواقع تلك الأغنية. اليوم أعيش كل هذا. تركتك، كنت أنا صاحب القرار الأخير، لا زلت أتذكر تفاصيل هذا اليوم المشئوم الذي أسدلت به الستار عن قصتنا ومعها أطلقت سراح المقصلة التي قصمتني.

فى ديسمبر تنتهي كل الأحلام، هكذا سخرت يوماً ما من تلك الرواية وكيف أحببتها أنا ولكن حقاً فى ديسمبر انتهت كل أحلامي، قد أكون الشخص السئ فى قصتك لم أخبرك فى يوم قررت تركك كم كنت أحتاجك بقربي هذا اليوم أكثر من أي أحد أخر، كيف وصلت إلي كل ذلك ؟ لم يعد هذا يهم الأن فأنا الوحيد الذي لا يفرح. تتذكرين مرضي الدائم؟ وتتذكرين كيفما كنت أشعر بالفرحة لأنني الجأ إليك كطفل صغير يلهو إلي أمه؟ هذه أيام يكفي أن أعيش علي ذكراها انتهيت مؤخراً من جزء هام فى حياتي وكتبت الإهداء إلي الشخص الوحيد الذي يستحقه والشخص الوحيد الذي لم أستطع أن أحدثه بكل ما أريد البوح به فى تلك الرحلة. كنت بلا أحد قبلك وساكون بلا أحد بعدك ولن يدخل قلبي سواك. قد أكون شرير قصتك ولكنك ما زلت الأميرة التي عاشت وترعرت هي فقط فى ربوعي. أبدأ حياة جديدة وتبدأين واحدة جديدة تماماً أيضاً، حياتي الجديدة مليئة بالذكريات والماضي وحياتك مليئة بالأمال والمستقبل. هذا عقاب عادل لي و… هل تتذكرين دوماً عجزي عن التبرع بالدم فى محطات المترو ؟ لقد اشتقت لأن أكون ذلك العاجز الذي تلومينه علي ذلك .
فى ديسمبر عندما انتهت كل أحلامي كان اهتمامك يكفي فى هذا اليوم. لم يكن ليفيض الكيل وربما ….

حسناً هذا ماضي والماضي لن يعود ولن يعرف أحد تفاصيل ما حدث كاملاً فى هذا اليوم. سأظل أحتفظ به بداخلي كذكري يتأكل بها داخلي.
فقط سأعود كما كنت يوماً وأغني لوائل جسار ولكن هذه المرة بعيداً عن كل شئ، بعيداً عن النيل وعن مدينتي وعن كل ما أحب وعنك.

القاهرة

 

القاهرة مدينة قبيحة وقميئة، هكذا كان رأيي دائماً حول تلك المدينة، منذ خمس سنوات كتبت هذا النص فى عامي الثاني فى الجامعة فى تلك المدينة اللعيبة.

هل سبق أن أخبرتكم أنني أكره القاهرة ؟؟ , بالطبع الأمر لا يتعلق بالطبع بمشاعري المتقلبة تجاه فكرة الوطن , ومصر والتي تتأثر بالأحوال التي أعيشها فيها , بل إنني بالفعل أكره القاهرة حتي فى أعتي لحظات الحرية والسعادة , والتي كانت فى خضم ثورة ال25 من يناير .

وقتها كنت شاباٌ مفعماٌ بالأمال والطموحات تجاه نهضة بلاده , وقتها كان عدم إهتمامك بكل تفصيلة وبكل معلم وبكل حدث فى الوطن هو سبب كافي عندي لإتهامك بالخيانة , حسنا ليس هذا موضوعنا الأن فهذه الأيام قد ولت بلا رجعة .

أشعر الأن بأنني فى القاهرة لا أفعل شئ سوي الرقص علي حافة الجنون , عندما كنت فى المنصورة (مسقط رأسي) كنت أستطيع الشعور بالأمان وكنت أستطيع الشعور بالدفء والعلاقات الاجتماعية كانت أبسط بكثير , لست من سكان القري والأرياف فأنا ولدت وأسكن فى المدينة لذا الأمر لا يتعلق بالإختلاف التقليدي بين حياة القري وحياة المدينة، هناك شئ ما أعمق يخنقني فى القاهرة , ربما هواءها الملوث الذي يجعلها العاصمة الأكثر تلوثاٌ فى العالم .
أو ربما لأنني لم أصب بالاكتئاب فى حياتي قبل أن أتي إلي هذه المدينة ؟؟
الاكتئاب , مرض العصر كما يطلقون عليه , لست أدري متي كانت المرة الأولي التي قابلت فيها مأفوناٌ من هؤلاء المكتئبين عندما كنت أعتقد بالفعل أنه مرض , وأنني بعيداٌ كل البعد عن الإصابة به .
المعضلة أنني أيضاٌ لا أتذكر متي تغير كل ذلك , وكيف أصبحت واحداٌ من هؤلاء المأفونين الذين ما لبث الأمر أن تداركت أن هؤلاء هم الواقعيون , هم الذين غرقت طفولتهم حتي النخاع فى مثاليات تربوا عليها ولم يشاهدوا تطبيقها أبداٌ حتي ممن ربوهم عليها , هؤلاء الذين قرأوا لأرسطو وأفلاطون , الذين غرقوا حتي النخاع فى حب اشعار البرغوثي وواقعية غابريل جارسيا , طربوا علي نغمات الموسيقي الصافية بمقطوعاتها الساحرة التي برعت بها أيدي فنانة نسجت من اضطراب تلك الأوتار حياة كاملة.
لم يكن الإكتئاب مرضاٌ , الاكتئاب أن يتوقف الزمن عن الحركة ، لتعش أنت في السجن الذي لا يراهُ الآخرون ، حياةً مؤبدة , حيث لا أحد سيشعر بك , لن يشعر احد عنما ينسحق إيمانك تحت ضغط الاحباطات المتوالية، أو أن تفقد صديق عمرك، .. القائمة طويلة من الأوجاع التي يمكنك أن تعدها ولن يشعر بها احد سواك.
وحتي لو أخبرت أحدهم فلن يشعر بك , ولن تشعر أنت بتحسن , كل ما يمكنه منحك من مشاعر وقتئذاٌ هي الشفقة فقط , الشفقة ولا غيرها , وقتها فقط تصل إلي النقطة التي يصل الألم فيها ذروته فيمضغك اليأس بين فكيه , قبل أن يدهسك الإحباط فى منتصف الطريق , وتستشعر عجز الأخرين عن مد يد العون لك , تصل إلي أن تشعر بان وحشة الألم ليست فى أن تتألم , بل فى أن تتألم وأنت لا تدري ما الذي يؤلمك حقيقةٌ .
يحيلك الألم إلي الصمت , ليحملك بدوره إلي مساحات أخري جديدة من آلام أخرى , يكون الكلام عنها وفيها ومنها شيئاٌ سخيفاٌ للغاية … ستجد أن المشكلة أن الألم يمكن أن يختفي فهو ألم عابر ,,, بينما تنسحق تماماً تحت مظلة الوجع المقيم، فالجروح تلتئم، ولكن الأوجاع مزمنة تنخرُ في الروح .
تفكر يوماٌ ما فى أن يشعر بما فى داخلك فلا يسعك سوي ان تعلوا وجهك إبتسامة ساخرة كبيرة , لو وجدت هذا الشخص وشكوته لطمئنك وأخبرك أن -كلنا فى الهوا سوا- , ولا يسعك سوي أن تشعر بمزيد من الألم وهذه المرة بشكل أكبر , فلا شىء يؤلم أكثر من محاولة التخفف من الألم
ندور فى تلك الحلقات المفرغة ليلاٌ وفى الصباح نخبر من يسألنا أننا بخير , كل ما فى الأمر ان دوراننا فى الحلقات المفرغة يصبح قصيراٌ كلما أمتد الوقت .
تتحول وقتها مثل بقية المكتئبين تنام فتنقبض روحك , ثم تبعث مرة أخري لتقوم بممارسة التظاهر بالحياة وو…….
حسناٌ ربما يكون الأمر متعلق بأن أبشع ما حدث لي ولمن أحبهم قد حدث فى القاهرة ؟؟ فالأمر قد يكون أعمق من مجرد المشاعر المتعلقة بخيبات الأمل , ولا علاقة بقصر الحكم الذي حكم علي أصدقائي بالاعدام فى ميادين الحرية وهما ينادون بها .
قد يتعلق أيضاٌ بالطبيعة الكلاسيكية للحياة الحديثة السريعة ونمط الحياة الذي يسرق الحياة نفسها , لم أعتد بعد علي الحياة تلك التي لا تأخذنا فقط من أحباءنا وتجعل كل شخص فى وادي ويسير فى طريقه وحيداٌ , لم أعتد علي إيقاع الحياة السريع والملئ بالنفاق والتملق والفساد فى القاهرة.
لا أعلم السر الحقيقي لكراهية مدينة كالقاهرة التي كانت يوماٌ ما العروس فى احلامي , كنت أتخيل حياة أفلاطونية فى القاهرة عندما كنت صغيراٌ , وقتها لم أزر من القاهرة سوي قلعتها الشامخة التي بناها صلاح الدين الأيوبي والذي يبدو أنه كل ما تبقي لمصر من صلاح الدين وعدل وشموخ صلاح الدين ,   بانوراما حرب أكتوبر التي لن تجد فيها سوي أطلال للماضي الذي نبكي عليه كطفل يكسر لعبته ثم يبكي عليها بعد ذلك !!!
حسناٌ لا أريد سرد المزيد من الأسباب فأنا لا أعلم تحديداٌ ما الذي يجعل قلبي ينقبض مع الخطوة الأولي لي علي رصيف محطة مصر , التي تمثل لي فى الاونة الأخيرة المكان الذي أشعر فيه بالسعادة يوم الخميس عندما أذهب إليها لأستقل  قطار يعود بي إلي أمي , ويمثل لي قمة السوداوية يوم الأحد فجراٌ عندما أخطو خطواتي فيه عائداٌ إلي القاهرة

أو عائداٌ إلي الجحيم ………

فلسطين

في طفولتنا كان الحدث الأبرز والذي شكل وعينا الأول حول مدي سوء العالم حولنا هو هؤلاء الأطفال الذين يحملون حجارة ويواجهون بها جنود بعتادهم العسكري ومدرعاتهم ودباباتهم ومشهد استشهاد الدرة الذي لن يغيب عن ذاكرتنا مهما حاول أنصار النسيان. كانت الرسالة الأولي عن حقيقة هذا العالم الذي لا يعترف بقيم قصص الأطفال.لا يعترف هذا العالم بالرحمة التي كنا نراها في قصص الأنبياء بالصلصال ولا يتمتع بالصدق الذي كانت امهاتنا يشجعننا عليه. في القضية الفلسطينية تشكلت هويتنا وفي فلسطين وجدنا الحقيقة المخيفة والتي تلتها حقائق كثيرة.

في سيرة الدكتور عبد الوهاب المسيري يحدثنا عن أسباب تحوله من الماركسية والمرجعية المادية للمرجعيةً الإسلامية عن الشعب الفلسطيني وتمسكهم بأرضهم وابداعهم في المقاومة كضمن أحد اسباب هذا التحول ويخبرنا أنه بكل المقاييس المادية فهذا الفعل هو انتحار وغير مجدي وأن العروض التي تنهال علي البعض للتخلي عن حق العودة ومنها الانتقال لبلاد اخري لا تعيش فيها تحت سلطة احتلال والتي يرفضها الكثيرين هو غباء من الناحية المادية. فما الذي يختلف عند هؤلاء؟ . كان هذا التساؤل مدخلاً لمراجعات أدت به في النهاية إلي العودة للمرجعية الإسلامية وبداية كتابته عن الصهيونية والحضارة الغربية.

في مراجعتها لرواية ابراهيم نصر الله زمن الخيول البيضاء تقول بثينة العيسي أننا كنا بحاجة لهذه الحكايات، نحن جيل القطيعة التي لم يعاصر النكبة ولا يعرف التاريخ علي النحو الذي ينبغي. ووصفها أحدهم بأنها محاولة للاجابة عن السؤال، كيف أكتب لكم الأن أنني أبكي؟.

في حرب ال٤٨ وعد أحد قادة الجيوش العربية التي دخلت فلسطين غير مستعدة لطرد العصابات الصهيونية سكان إحدي القري بأن اخلائهم للقرية ضرورة وأن كلها يومان وسيعودون وهذا العام نتذكر معا أن اليومان تأخرا حتي الأن ٧٢ عاماً كاملين لم تكن هزيمة ال٤٨ هي الهزيمة الأخيرة فيها.

بينما لخص نصر الله في روايته اعراس أمنة كل هذا عندما قال علي لسان بطلته ” كان يلزمنا قلوب أكبر لكي نتحمل كل هذا الأسي”.

العيد الأول

 

اليوم أتم الأربع وعشرون عاماً، لم يمر كل شئ كما كنت أمل. ما زال عيد ميلادي ذكري باهتة كما كان دائماً ولا أجد غير تهنئات قليلة باردة. دائماً ما كنت أمل يوماً ما فى يوم ميلاد لا أرغب كل عاماً فى تمزيقه من روزنامة الأيام، عيد ميلاد لا يأتي دائماً بعد خذلان وحزن شديد. فهل الحياة حزينة جداً لأن عمري ازداد عاماً أم أن الحياة لا تستوعبني أنا بينما يحتفل بي البعض ويطفئون شموعاً بينما أنا أخفي دمعتي حتي رحيلهم.

كل عام هكذا، تمر سنوات العمر بلا ميلاد جميل ولا حضور مثير، أعيش وتكبر روحي كل يوم، اليوم تكمل روحي عاماً أخر، مسكينة وغرورة هي لتصدق أن هذا شئ سعيد، أنا فقط أتابع الأيام كيف تمضي بميلادي غير عابئة به. كيف لتلك الروح أن تطمئن وهي بكل عام تودع الحياة، مع كل لحظة ومع كل شهيق وزفير ينسل العمر ولا أعلم ماذا فعلت بحياتي لأصل لهذا العمر دون إنجاز.

اليوم أتم الأربع وعشرون عاماً ولن أراك مرة أخري، لن يكون هناك حفل تخرج لأشعر بالحزن لأنك لست فيها. ما زلت سأرحل عن تلك الأرض ولا أعلم أي شئ سوي أن الحزن يصلي ليلقاني فى مكان ما أخر فى زوايا هذا الكون الفسيح. أتلعثم كثيراً فى كلمات أريد البوح ولكن أعلم جيداً أنها لن تخرج، فهي أثقل بخروجها، حمل ثقيل لا تتحملها روحي المعلقة المتعثرة فى خطواتها. فقط أريد أن أخبر الحزن بأنني هنا وأنه يمكنه السعي إلي ما شاء. 

عزيزي الحزين، أنت ضيف ثقيل، أنت تعلم هذا ولكنك سيد الألام، فقط أريدك أن تعرف أني لم أكن يوماً ما متطلب ولم أكن سوي مجنون، كنت أعشقك ، متيم بك بكل ما أملك من تلك الحياة. اعتدت مصارعة أمواجك وخوض طرقات بؤسك وألامك. أعتدت الغصة التي تسببها لي، اعتدت كل ذلك الخذلان، كل يوم استيقظ لأتمتم بترنيمة “من سيخذلني اليوم” ولكن مؤخراً لم أعد أحب الاستيقاظ، لا أرغب سوي الاستلقاء وترك كل شئ ينهار 

منوعات علي شاطئ لا يمكننا زيارته

 

أعتقد أن أصدق أنواع الحب هو رؤية من تحب في المنام

أكان يمكن أن أضل طريقي إليه، فأعبر رحلة الحياة دون أن ألقاه؟
– رحيلي عنك كان القاصمة التي هان أمامها كل شيء، فلم يعد الألم ألما بعد ألم الفقد، ولا التعب تعبا بعد تعب الرحيل

كنت. أحتاجك بقربي في أوقات كتلك، لكن دائما للحياة خيارات اخري معي. لا أعلم ما الذي تخبئه لي الحياة بعد ولكن الأسوء قد حدث فعلاً فيها.

إليك أكتب وأعتذر ، فلا تزال كل الأماني مؤجلة..

أنا لست لي، ولسبب ما خفي فليس لي أي شئ فى هذا العالم أيضاً 

إن المدينة تصبح عالماً عندما نحب أحد سكانها.

الحزن يفرضه عليك العالم والضحك تفرضه أنت على العالم، الحزن هو التسليم بقوانين العالم، والضحك هو إرادة الإنسان ضد قوانين العالم، فقط بعدك لم يعد هناك داعي للارادة. 

أحببتها لدرجة أني لم أستخر الله بها يومًا، خشية أن يكون شرًا فيبعدها عني .

صحيح أن الكتمان يرهق، ولكن الكلام لا يفيد

إذا كان ذنبي أن حبك سيدي
فكل ليالي العاشقين ذنوب

أسرع طريقة لانهاء الحياة هي عيشها كامل.

ان مشاعري لا يمكن تفسيرها أبدآ، كسرمدية تنطلق بلا معني

كبرنا

 

كبرنا ولم تكبر أحلامنا معناً، كبرت معنا خيباتنا وأمالنا المحظمة فقط. أحلامنا صغاراً كانت بحجم الجبال الرواسخ ولكن، أعرف اسمي، غير أني لا أستطيع نطقه حروفه، وكلما رأيتك تصيبني تأتئة ويخضع لساني لسحرك، وأتهجأ الكلام بأصابعي. فى غرفتي صوراً لأشياء كثيرة أحبها، ولكن لا حائط تستند إليه، ويوجد فى منزلي قبو قديم لم أدخله أبداً، لكن فى الليل دائماً ما تخرج منه روحي المعذبة.

روحي تتعلق بالجنود الذاهبين إلي الحرب، واضعين رسائل حبيباتهم فى فوهات بنادقهم ولكنهم لم يعودوا. كل جثة سقطت منهم طبع عليها، لا نريد أن تموت. يبدو أن الشخص الغائب هو الصرخة المتأكلة عند الوضوح، وكما يبدو للنور فهو لحم قد تجزئ إلي جسد غائب، حيث المراة جسد أخر يركض فى وجهي. لا زلت لا أشعر بأصابعي منذ ركلت الأبواب المؤدية إليك. هي الكلمة سكين خالص أو زهرة علي شاهد قبر. رأتني أمي من قبل، منذ سنوات بعيدة، نجم ذبل علي ضفة الكلمات الميتة، أفتح فم الحياة ومن الجهة الأخري اغلق عين الحزن بجمرة من الجحيم.

هذا الدمع الذي يتساقط هو قلبي، هذه هي الذاكرة، لحم ودمع وثياب. للثياب جسد وطريق، وللماء يد تجري. فى لحم النهر جثة طائر غائب، هو الحب حيث يكون للجحيم معني. والليل علي تلك الثياب رطب ولزج كجثة حل عليها التراب، يكون صلباً حين يحفر لنا قلبه ويدفننا فيه. هو القبر، حيث الساعة دخان أعمي كالحقيقة التي نسعي إليها ثم تضيع أو تموت من الوهلة الأولي.

ثمة حدائق فى عينيك ومساحة أخري تتفتح عند موتي، ما زلت بعيناي المفتوحتين أظن أن خصلة التراب الأخيرة هي كفيك الناعمتين، وعند موتي فأزهارك تبلل الحياة بدمعة مالحة، ثمة كلمة، رخيصة هي الأحلام والقمر ضوء ميت علي رئة الوداع وهناك شجرة واحدة بلا ضي. وكل ذلك العطش من حولها هو أنا، حيث لا معني للظل حين يبقي وحيداً. هذا الظل الوحيد هو أنا. 

 

الرسالة الاولي

 

عزيزي اكس (X)

أكتب إليك اليوم عزيزي مستر اكس لأنني بحاجة إلي أن اكتب بضعة رسائل ولكنني لا أجد من يمكنني الكتابة إليه. لذا دعني الان ارسلك الي الوجود، قد تتسائل لماذا اخترت لك مستر اكس كاسم وليس مثلاً مستر سين، علي الأقل لا يمكنك أن تجد نفسك فى مقارنة ليست ظريفة مع شخصية مستر اكس، ذاك الشرير “الهفق” فى سلسلة أفلام فؤاد المهندس رحمه الله. لا أعلم سبباً لذلك لكنني شعرت بان الاسم الذي يمكن أن تستحقه هو مستر اكس، رمز غامض لشخصية غامضة لا يعلم عنها أحد وهو نفسه قد بدأ منذ قليل رحلة البحث عن ذاته وعن ما هو ولماذا أكتب أنا إليه؟. 

قد تشعر عزيزي اكس بأن كل تلك الأسئلة التي تراودك الأن قد يكون لها جواب عندي ولكني أريد أن أصدقك القول بأنني لا أعلم. لا أعلم ما صفة الشخص الذي يمكنني الكتابة إليه والبوح بما أريده فى تلك الرسائل، أهو صديق مقرب أو حبيب متخيل أم مجرد غريب تلاقت طرقاتنا يوماً فى استراحة باص ننتظره تحت المطر. كل ما يمكنني اخبارك به هو أنني أريد شخصاً يمكنني التحدث معه، بدون أن احمل ثقل تلك الرسائل بعد ذلك، قد تتخيل نفسك مثلاً خمسينياً تدور بلا هدف فى طرقات المدينة، شخصاً لا أعلم أنا اسمه ولن أتواصل معه مجدداً. شخصاً لن أقابله وكل ما أريده أن افرغ بعض ما بداخلي إليه وأمضي فى طريقي. لم أجد لك عملاً ما، لن تكون طبيباً نفسياً بالتأكيد فهذا الأمر سيعد كلاشيه وأنا لا أريد أن أكون مبتذلاً إلي هذا الحد. ربما ستكون غريباً متسكعاً ولكنك لابد أن تكون شخصاً محترم ففي النهاية أنا لا أريد البوح لصعلوك بينما هو يفكر فى أسرع الطرق للحصول علي كل ما بجيبي والهروب. قد تعتقد أنك شخصية مرموقة ولكن تلك الشخصيات لا تتسكع فى طرقات المدينة غير فى روايات ديستوفيسكي. 

سأدع تساؤلاتك تلك لخيالاتك ولأعود أنا إلي ما أردت القيام به من البداية، أريد الكتابة إليك، لم نعد نستخدم صناديقاً بريدية لارسال الرسائل ولكنني سأجعلك تقرأ الرسائل من خلالها وساجعلك شخصاً طيباً. فقط أريد أن أقتنع من داخلي أنك موجود، علي الأقل فى الفترة التي تكفيك لقراءة ما أكتبه لعل ذلك يساعدني فى أن أستمر فى الكتابة عما أريده وعما لا أريده أحياناً. فقط دعنا نتفق الأن علي أن اسمك هو مستر اكس او السيد اكس 

 

عزيزي …

أتمني أن تصل إليك رسالتي وأنت فى كامل عافيتك، مرتاح البال هانئاً بحياة سعيدة وهادئة. أكتب إليك بدون أن أقدم نفسي وبدون أن تعرفني وهذا أفضل لكلانا، دعنا نتجاوز الكثير من المقدمات حول هوياتنا فأنت بدأت مؤخراً بالتساؤل والبحث عن من أنت وأنا ما زلت أقبع بين تلك التساؤلات منذ سنوات. أكتب إليك لأنني كما قلت من قبل أنني أحتاج إلي البوح أملاً أن يتسع صدرك لكل ما سأكتبه وألا يكون مصير ما أكتبه هو سلة المهملات. بالطبع لسوء حظك وحسن حظي أنت لن تستطيع فعل هذا فأنا من أمتلك فقط هذه القدرة حالياً. عذراً علي تلك الوقاحة ولكن يجب أن تعتاد عليها فربما كان ما أريد البوح به أثقل عليك من وقاحتي الصغيرة تلك. 

 

أكتب إليك لأشكو الخوف الذي يسيطر علي بالكامل، فمؤخراً بدأت أري كل ما حولي ينهار، لم ينهر كل شئ بالطبع ولكنني أكتشف مع الوقت أن دوافعي تغيرت. مؤخراً كنت جباناً للغاية ولم أستطع أن اكون شجاعاً كفاية لأن أقدم علي أكثر ما كنت أريد القيام به حتي وان كان ذلك الدافع الأقوى لكل ما أنوي فعله، والمبرر الوحيد لكل ما كنت عازم على فعله ثم لم أفعله. لقد دخل الخوف عقلي وأزاح كل ما قد ينازعه من سلطة. لا يعد هناك مكاناً لا  منطق ولا سعادة ولا حب ولا أمل، وتركني هذا الخوف دون قدرة على الإفلات من قبضته أو حتى على الاستنجاد بغيره، لم يعد هناك من هروب منه إلا إليه.

لم أعد أشعر بأنني ذلك الشاب الذي كنته فى عامي الأول فى الجامعة، هذا الشاب متوقد الحماس ذو العزيمة القوية الذي لديه اهتمامات كثيرة ويهتم بمن حوله. لم أعد أمتلك ذلك الصبر ولا تلك السكينة التي كانت تتنزل علي عندما كنت أخوض نقاشاً حامياً. لم تعد تهمني كل تلك الأشياء. أصبحت مثقلاً بمخاوفيو مخاوف تختلف فى أسبابها وإن كانت كلها من نوع مألوف. لم تعلمني سنوات الخوف الطويلة السالفة أي شيء يطور قدرتي على مواجهتها. حسناً هناك خوف جديد وهو الخوف الأكبر لم أعايشه من قبل ولكن دعنا فسأكتب لك عنه فى وقت لاحق. أصبحت أفكر كثيراً فى الهروب من غير المألوف، أن أركض هارباً من كل ما لا يمكنني فهمي.

ربما قد بدأت الان تتساءل عن ما أسباب مخاوفي تلك، وربما قد لا تكون مهتماً الأن فأنت ما زلت تتساءل من أنا ولماذا أكتب إليك. حسناً سأكون وقحاً مرة أخري وأتجاهل الاحتمال الثاني وأنك مهتم بالفعل بمعرفة ما الذي حدث لي لكي ترحل عني الطمأنينة وتغيب عني السكينة. تلك الأسئلة التي تجول بخاطرك تدل علي أنك لا تعرفني وهذا ليس بجديد، فانت ما زلت الغريب مستر أكس. دعني فقط أخبرك عما قد يشفي القليل من فضولك (سأفترض أيضاً أنك شخصية فضولية عزيزي). الخوف كان دائماً زائراً دائماً ولم يكن يوماً يطلب الاذن ليحل علي ويتربع علي قمة أحاسيسي ولم يكن ذلك يتطلب سبباً ما ككارثة مرتقبة أو خطر محدق. كان دائماً ما يسكن بداخلي، فى بيت شاهق وكبير وواسع تنمو حوله أشجار من الألم والحزن. وهذا الخوف هو الخوف المبهم الذي لا سبب مباشر له، فأنا مثلاً لا أقصد به الخوف الذي ينتابني من الثعابين والذي يمكننا أن نعتبره فوبيا كمثل تلك التي لدي من الأماكن المرتفعة. إنما أقصد بذلك هذا الخوف المجهول، الخوف من كل ما لم يأت بعد، الخوف من كل الذي لا نعرفه ومن كل الذي نريده ونعلم أنه لن يكون لنا. الخوف من الإنتظار ومن ما ينتظرني لأراه فى تلك الحياة. الخوف من مصيري عندما أتخذ القرارات المصيرية، عندما أتذكر أنني دائماً وحيداً، الخوف من طلب المساعدة الملحة التي أحتاجها والتي أعلم أن لا أحد سيجيبني. الخوف من الانتقال إلي مكان جديد وما الذي سألاقيه فيه، الخوف من الألم المنتظر الناتج عن كل ما لا يمكنك التحكم به، عن كل ما هو ليس بيدك، عن الخوف من العجز والكبر، عن الخوف من الوحدة التي تلازمني طويلاً. الخوف من عدم القدرة علي التأقلم مع الحياة الجديدة التي أعيشها، الخوف من الندم، الخوف من المجهول يا عزيزي.

حسناً عزيزي أكس، سأنهي الأن رسالتي إليك، ساكتب إليك فى المرة القادمة عن تساؤلاتي وحيرتي، سأكتب لك عن مخاوفي وأنا علي مشارف الانتهاء من مرحلة من حياتي مننتظراً المرحلة الجديدة التي أخشاها للغاية، أنا خائف، خائف للغاية وأريد أن أعرف ما اذا كنت سأعتاد تلك الحياة الجديدة، أعلم أن سبب خوفي الأعظم يخبرني بأنه لا، لن أعتاد تلك الحياة وأن أمامي الكثير من الألام والوحدة لأعيشها وأنني سأقاسي أياماً وشهوراً وسنيناً وأنني سأظل دائماً كذلك. أريد ان أعرف ما الذي سيكون موجوداً فى تلك الحياة؟، ما الذي سأعايشه وهل ستظل أشباح المخاوف القديمة تطاردني؟ أريد أن أعرف إلي متي سيظل النزيف بداخلي ومتي سأجد أجوبة كل تساؤلاتي. تحاصرني الكثير من الأسئلة وتخنقني وأنا لا أملك لها اجابات، أهرب منها للخوف الذي ألتجأ إليه ليحميني من شر نفسي ومن شر أسئلتها. 

انتظار

 

فى رحلتي، ركبت الكثير من المواصلات، فقط فى منتصفها بعدك ،و عندما كنت انتظر الباص ،سرقت مني محفظة ايامي التي كانت تحوي بداخلها بطاقة سعادتي ،تلك البطاقة كانت (صورتك)، فهي اخر ماتبقى لي منك. وعندما ضاعت، ضاع كل شئ فى ذاكرتي إلا ذكريات ابتسامتك. 

وأتذكر بضع أشياء عشوائية من الذاكرة منها الجملة التي أحببتها كثيراً، لا أتذكر الأن ان كنت قد سمعتها او هي من تأليفي ولم يعد هذا مهماً. الجملة التي أردت فرصة لأقولها لك يوماً ما. اليوم الذي خانني فيه الأمل. 

إذا كان ذنبي أن حبك سيدي
فكل ليالي العاشقين ذنوب


أعلم أن الشئ الوحيد الذي كان يفصلني عنك هو النصيب، قدرى أن أعيش بعيداً عنك، حزين لأبد الأبدين. أفكر فى كل هذا الحزن بقدر ما تسمح لي ذاكرتي المسلوبة. ما عاد ينتظرنا أحد، فلمَ العجلة ؟، سأمكث قدر ما أشاء، فاللحظة تمضي لتهب لاحقتها الحياة، الليل كما النهار والنهار كما الليل، كلاهما يحيلان الأسود إلى بياض وسيشتعل وبعدها سنمضي إلى جديد. ما هو ؟ لست أدري. كل ما يمكنني ادراكه الأن هو أنني فى غربة أبدية، فالغربة هي أن لا أستطيع خلق حديث معك.
إن يخفقُ القلب كيف العمر نرجعه ؟ كل الذي مات فينا .. كيف نُحييه ؟

هناك مقولة ما تأتي باهتة كبهتان تلك الذاكرة بأن فى حياتنا ما لا يمكن أن نحكيه فهو يبكينا وهي تبدو صحيحة بالنسبة إلي عيناي التي تمتلأن بالدموع التي تأتي بدلاً عن كل تلك الحكايات التي سرقت فى محظة الحياة بعدك. كل ما يمكن معرفته هو أننا هناك في هذا الطريق سنمضي، لا الي مستقر ولا إلى حبيب.

منوعات علي شط حزين

والحزن طقس يخيم علي القلب وعندها تخرج الكلمات بعد مغص في القلبَ.

ابتكرت اللغة كلمة الوحدة لوصف ألم أن تكون وحيد، وابتكرت كلمة العزلة لتصف شرف أن تكون وحيد

عندما صرح درويش في قصيدته أن علي هذه الأرض ما يستحق الحياة كان يعيش في باريس ويشتاق الي فلسطين. الاشتياق من بعيد قد يكون الأمر الجيد الوحيد في الحنين، لأننا نكره العودة ما أن نقوم بها فالغريب سيظل غريب وهذه البلاد لم ولن تكن يوماً لنا. وفي الواقع نحن لا نمتلك أي شئ.

لم أخبرك لماذا أعشق القلم الذي لا تمسح كتابته ؟
والأن لن أستطيع اخبارك فلم أعد أتذكر للاسف كيف حدث ذلك العشق
فكل ما لم أخبرك به غالباٌ مأله النسيان لا أريدك أن تصادق هاتفك ولا تلك الصحف المتناثرة فى شوارع المدينة الماطرة
لم أعد أملك بعد الانتظار المرير سوي أن استجدي صوتك , استجدي عينيك
اسأل نفسي كل يوم . أين أنت ؟
فهل أنت فى وجوه الغرباء الطامحين بالمدي ؟ أم ربما تكون فى وجوه المحدقين بي ؟ فلو كنت أملك حق الحديث معك , لن أحادثك كثيراٌ
فقط سأخبرك أنني تعبت من الانتظار المرير، أعلم أنك تؤمن بأن السفر قطعة من العذاب
حسناٌ الانتظار الذي يتخلل السفر هو العذاب , انتظار الأرواح لعودتها من ترحالها اللانهائي حسناٌ يا عزيزي ,سأحبك كما أنت كما انت، سأحب الكتابة اليك أكثر ,لكن أنت لا تقرأ أليس كذلك ؟

النائم لا يكبر في النوم، ولا يخاف ولا يسمع أنباء تعصر العلقم في القلب. لكنك تسأل نفسك قبل النوم: ماذا فعلتُ اليوم؟ وتنوس بين ألم النقد ونقد الألم.. وتدريجياً تصفو وتغفو في حضنك الذي يلمّك من أقاصي الأرض، ويضمك كأنك أمُّك. النوم بهجة النسيان العليا. وإذا حلمت، فلأنَّ الذاكرة تذكرتْ ما نسيتْ من الغامض.

اليوم هو عيد ميلادك وعيد ميلاد السعادة وأنا أحبك وفقط.

هناك في هذا الطريق سنمضي، لا الي مستقر ولا إلى حبيب.

لاحقا داهمتني الأسئلة.. بدأت أفكر.. أن كيف لي أن أعيش في مكان.. وقلبي في مكان آخر؟ كيف للإنسان أن يحتمل هذا التشظي.. هذا الانشغال.. هذا التعلق المرضي.. الانجذاب القهري.. الحاجة الملحة للاقتراب التي تتكرر ليلة بعد ليلة.. وشهرا بعد شهر.. وعاما بعد عام؟ وأي ألم يحس به الإنسان حين يستيقظ كل صباح ليكتشف أن الأمور لا تزال على حالها.. لا يزال صدره خاويا.. وعليه أن يقضي نهارا آخر من عمره, يفكر في من أخذ ذلك القلب ويرفض إعادته؟

يوم القيامة ستجري ورائنا كل مراجعات الكتب التي وعدنا أنفسنا وغيرنا بكتابتها، وكل لحظات ما قبل الديدلاين التي تشعل الادرينالين بداخلنا. كل تلك السعادة المؤجلة بسبب الثقب الاسود في السرير. كل تلك الأطمعة المحترقة لأننا نمسك بهواتفنا وننشغل بها. كل وعودنا لأنفسنا بأن غداً سيكون اليوم الأول في الدايت. كل وعودنا بأننا سنبدأ المذاكرة من الغد. كل أمالنا بأن هذه ستكون آخر حلقة نشاهدها من المسلسل الجديد الذي بدأنا مشاهدته اليوم. كل تلك المرات التي ترددنا فيها في هتاف ” يسقط يسقط حكم العسكر”.