الرسالة الاولي

 

عزيزي اكس (X)

أكتب إليك اليوم عزيزي مستر اكس لأنني بحاجة إلي أن اكتب بضعة رسائل ولكنني لا أجد من يمكنني الكتابة إليه. لذا دعني الان ارسلك الي الوجود، قد تتسائل لماذا اخترت لك مستر اكس كاسم وليس مثلاً مستر سين، علي الأقل لا يمكنك أن تجد نفسك فى مقارنة ليست ظريفة مع شخصية مستر اكس، ذاك الشرير “الهفق” فى سلسلة أفلام فؤاد المهندس رحمه الله. لا أعلم سبباً لذلك لكنني شعرت بان الاسم الذي يمكن أن تستحقه هو مستر اكس، رمز غامض لشخصية غامضة لا يعلم عنها أحد وهو نفسه قد بدأ منذ قليل رحلة البحث عن ذاته وعن ما هو ولماذا أكتب أنا إليه؟. 

قد تشعر عزيزي اكس بأن كل تلك الأسئلة التي تراودك الأن قد يكون لها جواب عندي ولكني أريد أن أصدقك القول بأنني لا أعلم. لا أعلم ما صفة الشخص الذي يمكنني الكتابة إليه والبوح بما أريده فى تلك الرسائل، أهو صديق مقرب أو حبيب متخيل أم مجرد غريب تلاقت طرقاتنا يوماً فى استراحة باص ننتظره تحت المطر. كل ما يمكنني اخبارك به هو أنني أريد شخصاً يمكنني التحدث معه، بدون أن احمل ثقل تلك الرسائل بعد ذلك، قد تتخيل نفسك مثلاً خمسينياً تدور بلا هدف فى طرقات المدينة، شخصاً لا أعلم أنا اسمه ولن أتواصل معه مجدداً. شخصاً لن أقابله وكل ما أريده أن افرغ بعض ما بداخلي إليه وأمضي فى طريقي. لم أجد لك عملاً ما، لن تكون طبيباً نفسياً بالتأكيد فهذا الأمر سيعد كلاشيه وأنا لا أريد أن أكون مبتذلاً إلي هذا الحد. ربما ستكون غريباً متسكعاً ولكنك لابد أن تكون شخصاً محترم ففي النهاية أنا لا أريد البوح لصعلوك بينما هو يفكر فى أسرع الطرق للحصول علي كل ما بجيبي والهروب. قد تعتقد أنك شخصية مرموقة ولكن تلك الشخصيات لا تتسكع فى طرقات المدينة غير فى روايات ديستوفيسكي. 

سأدع تساؤلاتك تلك لخيالاتك ولأعود أنا إلي ما أردت القيام به من البداية، أريد الكتابة إليك، لم نعد نستخدم صناديقاً بريدية لارسال الرسائل ولكنني سأجعلك تقرأ الرسائل من خلالها وساجعلك شخصاً طيباً. فقط أريد أن أقتنع من داخلي أنك موجود، علي الأقل فى الفترة التي تكفيك لقراءة ما أكتبه لعل ذلك يساعدني فى أن أستمر فى الكتابة عما أريده وعما لا أريده أحياناً. فقط دعنا نتفق الأن علي أن اسمك هو مستر اكس او السيد اكس 

 

عزيزي …

أتمني أن تصل إليك رسالتي وأنت فى كامل عافيتك، مرتاح البال هانئاً بحياة سعيدة وهادئة. أكتب إليك بدون أن أقدم نفسي وبدون أن تعرفني وهذا أفضل لكلانا، دعنا نتجاوز الكثير من المقدمات حول هوياتنا فأنت بدأت مؤخراً بالتساؤل والبحث عن من أنت وأنا ما زلت أقبع بين تلك التساؤلات منذ سنوات. أكتب إليك لأنني كما قلت من قبل أنني أحتاج إلي البوح أملاً أن يتسع صدرك لكل ما سأكتبه وألا يكون مصير ما أكتبه هو سلة المهملات. بالطبع لسوء حظك وحسن حظي أنت لن تستطيع فعل هذا فأنا من أمتلك فقط هذه القدرة حالياً. عذراً علي تلك الوقاحة ولكن يجب أن تعتاد عليها فربما كان ما أريد البوح به أثقل عليك من وقاحتي الصغيرة تلك. 

 

أكتب إليك لأشكو الخوف الذي يسيطر علي بالكامل، فمؤخراً بدأت أري كل ما حولي ينهار، لم ينهر كل شئ بالطبع ولكنني أكتشف مع الوقت أن دوافعي تغيرت. مؤخراً كنت جباناً للغاية ولم أستطع أن اكون شجاعاً كفاية لأن أقدم علي أكثر ما كنت أريد القيام به حتي وان كان ذلك الدافع الأقوى لكل ما أنوي فعله، والمبرر الوحيد لكل ما كنت عازم على فعله ثم لم أفعله. لقد دخل الخوف عقلي وأزاح كل ما قد ينازعه من سلطة. لا يعد هناك مكاناً لا  منطق ولا سعادة ولا حب ولا أمل، وتركني هذا الخوف دون قدرة على الإفلات من قبضته أو حتى على الاستنجاد بغيره، لم يعد هناك من هروب منه إلا إليه.

لم أعد أشعر بأنني ذلك الشاب الذي كنته فى عامي الأول فى الجامعة، هذا الشاب متوقد الحماس ذو العزيمة القوية الذي لديه اهتمامات كثيرة ويهتم بمن حوله. لم أعد أمتلك ذلك الصبر ولا تلك السكينة التي كانت تتنزل علي عندما كنت أخوض نقاشاً حامياً. لم تعد تهمني كل تلك الأشياء. أصبحت مثقلاً بمخاوفيو مخاوف تختلف فى أسبابها وإن كانت كلها من نوع مألوف. لم تعلمني سنوات الخوف الطويلة السالفة أي شيء يطور قدرتي على مواجهتها. حسناً هناك خوف جديد وهو الخوف الأكبر لم أعايشه من قبل ولكن دعنا فسأكتب لك عنه فى وقت لاحق. أصبحت أفكر كثيراً فى الهروب من غير المألوف، أن أركض هارباً من كل ما لا يمكنني فهمي.

ربما قد بدأت الان تتساءل عن ما أسباب مخاوفي تلك، وربما قد لا تكون مهتماً الأن فأنت ما زلت تتساءل من أنا ولماذا أكتب إليك. حسناً سأكون وقحاً مرة أخري وأتجاهل الاحتمال الثاني وأنك مهتم بالفعل بمعرفة ما الذي حدث لي لكي ترحل عني الطمأنينة وتغيب عني السكينة. تلك الأسئلة التي تجول بخاطرك تدل علي أنك لا تعرفني وهذا ليس بجديد، فانت ما زلت الغريب مستر أكس. دعني فقط أخبرك عما قد يشفي القليل من فضولك (سأفترض أيضاً أنك شخصية فضولية عزيزي). الخوف كان دائماً زائراً دائماً ولم يكن يوماً يطلب الاذن ليحل علي ويتربع علي قمة أحاسيسي ولم يكن ذلك يتطلب سبباً ما ككارثة مرتقبة أو خطر محدق. كان دائماً ما يسكن بداخلي، فى بيت شاهق وكبير وواسع تنمو حوله أشجار من الألم والحزن. وهذا الخوف هو الخوف المبهم الذي لا سبب مباشر له، فأنا مثلاً لا أقصد به الخوف الذي ينتابني من الثعابين والذي يمكننا أن نعتبره فوبيا كمثل تلك التي لدي من الأماكن المرتفعة. إنما أقصد بذلك هذا الخوف المجهول، الخوف من كل ما لم يأت بعد، الخوف من كل الذي لا نعرفه ومن كل الذي نريده ونعلم أنه لن يكون لنا. الخوف من الإنتظار ومن ما ينتظرني لأراه فى تلك الحياة. الخوف من مصيري عندما أتخذ القرارات المصيرية، عندما أتذكر أنني دائماً وحيداً، الخوف من طلب المساعدة الملحة التي أحتاجها والتي أعلم أن لا أحد سيجيبني. الخوف من الانتقال إلي مكان جديد وما الذي سألاقيه فيه، الخوف من الألم المنتظر الناتج عن كل ما لا يمكنك التحكم به، عن كل ما هو ليس بيدك، عن الخوف من العجز والكبر، عن الخوف من الوحدة التي تلازمني طويلاً. الخوف من عدم القدرة علي التأقلم مع الحياة الجديدة التي أعيشها، الخوف من الندم، الخوف من المجهول يا عزيزي.

حسناً عزيزي أكس، سأنهي الأن رسالتي إليك، ساكتب إليك فى المرة القادمة عن تساؤلاتي وحيرتي، سأكتب لك عن مخاوفي وأنا علي مشارف الانتهاء من مرحلة من حياتي مننتظراً المرحلة الجديدة التي أخشاها للغاية، أنا خائف، خائف للغاية وأريد أن أعرف ما اذا كنت سأعتاد تلك الحياة الجديدة، أعلم أن سبب خوفي الأعظم يخبرني بأنه لا، لن أعتاد تلك الحياة وأن أمامي الكثير من الألام والوحدة لأعيشها وأنني سأقاسي أياماً وشهوراً وسنيناً وأنني سأظل دائماً كذلك. أريد ان أعرف ما الذي سيكون موجوداً فى تلك الحياة؟، ما الذي سأعايشه وهل ستظل أشباح المخاوف القديمة تطاردني؟ أريد أن أعرف إلي متي سيظل النزيف بداخلي ومتي سأجد أجوبة كل تساؤلاتي. تحاصرني الكثير من الأسئلة وتخنقني وأنا لا أملك لها اجابات، أهرب منها للخوف الذي ألتجأ إليه ليحميني من شر نفسي ومن شر أسئلتها. 

اترك تعليقاً