تخاريف

 

ليس هناك ما هو أكثر خداعاً فى هذه الحياة أكثر من تلك النبطة بداخلك والتي تخبرك بأنه من الممكن أن يكون أمل ما. هذا الأمل الذي تعرف أنه لن يعود. 
ليلة رحيلي كتبت علي ورقة ” السفر مثل الموت، كله فراق” فى اللحظة التي سافرت فيها علمت بأننا ننطلق إلي طريق اللاعودة ولكن لهذه قصة أخري. 
لكن ذاك القلب ينبض بكل شئ له. ذاك الذي كان دائماٌ الغائب الذي لا يحضر وكان هو المشتاق الذي لا ينسي ذاك الغائب
لم يحلم سوي بحياة كالحياة , وبقي في مكانه فلا هو بموتٌ ولا هو انتحار
لم يسعي لنا ذاك الميت الغائب سوي للهزيمة في حروب الحب والامل والحرية. 

إعتاد الطبيب إخباري بأن كل شئ علي ما يرام ولكنني أعرف أن هذا ليس صحيح وأن زميلته الطبيبة التي رأيت دمعتين تهربان من حكاياتي تخبرني بأن لا شئ سيعود. 
منذ الثاني من ديسمبر وأنا أعرف، أعرف كل شئ، اعرف أن الهروب لن يجر سوي أذال الخيبة علي ذلك الموجع بنبضه. 
الطب كتب للعقلاء، كتب لهؤلاء المعلقين بأمل ما وليس لمن يجر أذيال اليأس. 
ما فائدة كل تلك العلاجات أنا لا أعرف؟. يخبرني أيضاً هذا المغرور أن الدعم النفسي جزء مهم من العلاج 
لم أخبره أن لا أحد يعرف. لم اخبر أي أحد. لا أحد كان ينبغي أن يعرف. محاولتي الوحيدة لإخبار “كل شئ” كانت النهاية لكل شئ
كانت “بضعة سلايدات” هي المهمة فى كل ذلك الوقت. 
لن يعرف أحد، لا أريد لأحد أن يعرف. هذا المغرور لن يعرف كل ذلك وهو لا يهتم فأنا بالنسبة له بضعة مئات من الدولارات تدفعها شركة التأمين 
أحيا ليس لأن لدي أمل. أحيا لأنني يجب أن أفعل. 
درويش قال يوماً ووافقت أن أحمل عبئ قلبي وحدي 
ولكن 
الحمل يا درويش أصبح ثقيل ولم تعد فقط الروح قالجسد الذي يحملها يذبل. 
ولم يعد لدي الكثير من الطاقة لحمل عبئ كل شئ. فقط أحتمل بقدر الإمكان حتي لا أري عبئ معرفة أمي 

عزيزي درويش، التظاهر بأن كل شئ علي ما يرام ومحاولة الادعاء بأن الحياة تسير وأن كل شئ تم تخطاه لمدة سنتان هو الجحيم 
طبيبتي لا تعرف عنها الحقيقة . لم أخبرها عنها الكثير، حاولت أن أخبرها أنني بالفعل كنت الطرف السئ فى حكايتها وأنا اتألم من أجل كل هذا. 
لم أخبرها عن كمية الكوابيس والأحلام التي تغزو منامي كل ليلة منذ ذاك اليوم.
لم أخبرها عن كل تلك النغصات فى القلب فى أوقات الفرح التي لم أفرح بها. لم أعتد علي الفرح بدونها. لم أعتد علي أي شئ بدونها. 
أشغل وقتي بالكثير من الأمور.
هل تعلم عزيزي درويش. لم يخبرني الطبيب عن كلايشيهات السرطان المعتادة عن وقت الحياة المتوقع. لم يقل سوي أنه هناك وسوف نعالجه. 
فى وقت ما كان هذا سيهم لكن هذا الطبيب لم يفعل شئ مستهجن فلم يعد الأمر مهم. 
أحاول الهروب بالنوم. ولعمرك فهذا أصبح ليست وسيلة للهروب أيضاً فقد غزاها هذا الجسد وأصبحت ضرورة بيولوجية. 
أهتم بالكثير من الأمور. أحاول دراسة الكثير من الأشياء التي اهتميت بها يوماً ما. 
هل تعلم السنة السابقة. قرأت كل دوواينك ودوواين أصدقاءك الشعراء الذين كانت تعتب علي كوني لم اقرأ لكم كفاية. 
أحاول قراءة الكثير من الكتب التي أردت قراءتها يوماً ما فلا أعرف ما سيتحدث بعد. 
تتغير الحياة وتتغير هي وكل شئ يدور ولا شئ توقف فى هذه الحياة بينما أنا أسير نفسي وأسير ماضي تليد يا درويش 
أبكي كالأطفال وأحاول مداراة دموعي كل مرة بدولاب الكذبات التي أعتدت إخبار نفسي بها. 
هذا الدولاب كبير يا عزيزي ولكن هل تعلم ما الكذبة الوحيدة التي لا تحتويه.
كل شئ سيكون علي يرام” 
أنا وأنت وهذا الطبيب وزميلته التي توقفت منذ مدة عن زيارتها وكل الأخرين بردائهم الأبيض الذين رأوا كل شئ يعرفون أنه لن يكون أي شئ علي ما يرام 

صديقك غسان كتب علي لسان سائق الشاحنة عن “لماذا لم يدقوا جدران الخزان” 
فى الثاني من ديسمبر عندما رحلت فقد عرفت لماذا من السهل أن تدق جدران ذلك الخزان 
وهذه المعرفة قاسية للغاية يا عزيزي وقد كلفتني كل شئ. أو ما كان سيتبقي علي الأقل. 
ولكن مع كل المعرفة فما زال السؤال يتسلل إلي عقلي بين الحين والأخر ويخبرني 
“لماذا لم أقل لها فقط ؟” 
كنت سأخبرها حسب هذا السؤال المتسلل بأنني كذبت عليها وأنني لم أكن فى ذلك اليوم أذاكر لامتحان ثاني يوم بل كنت أتعامل مع صدمة معرفة كل هذا 
كان من المنطقي لولا أنها لم تكن تغيرت وأصبح كل شئ هشاً بيننا أن أخبرها بكل شئ. ولكن ما الذي كان سيحدث ؟ هذا هو السؤال المتسلل الأخر. 
هذا المتسلل الأخر هو ما عرفه أبطال “فى الشمس” يا درويش. أدركه غسان وأدركته أنا بعده بنصف قرن تقريباً.

حسناً دعنا الأن من كل هذه التخاريف ودعني أودعك يا درويش لأذهب لأذاكر هذه المرة بصدق.
امتحان نفس المادة التي أدرسها للمرة الثانية.
بعيداً فى أرض غريبة .سأظل غريباً فيها ولن أعود 
نعلم أنا وأنت أنه “لا يوجد ما يستحق الحياة” وأنك كنت كاذب. 

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. م.ق. قال:

    سلام عليكم .. مكنتش عارفة اكتب بالانجليزي ولا بالعربي العامي ولا الفصحى .. الانجليزي اريح بس مظنش هينفع .. المهم قررت عامي.
    انت متعرفنيش ولا اعرفك .. بالصدفة لقيتك على اكتر من سوشيال ميديا عندي ولقيت البلوج وعجبني كلامك عن البنت .. مكنتش عارفة كلامك بجد ولا خيال .. حسيته بجد واتمنيتلك الخير.. كنت مرة هعمل كومنت على واحد منهم بس غيرت رأيي عشان اظن كان اجباري احط الميل .. لسة حافظة الكومنت عندي كاتبة فيه عن المخاوف وفقدان النفس بس مش فاكرة البوست كان عن ايه .. بس المرادي قررت اعمل كومنت عشانك بتتكلم عن الكانسر وحسيت انه حقيقة مش مجرد كتابة.. مش عارفة هل مقلتش لحد خالص فعلا ومفيش حد بتكلمه عن الموضوع ولا لا .. كلامي غالبا ميفرقش بس كنت عايزة اقول ان في حد بيقرأ كلامك .. في حد يعرف لو فعلا مقلتش لحد .. مظنش انسان ميعرفكش يقدر يعمل كتير بس ممكن تكتب هنا اكتر عن اي حاجة في دماغك .. عن المرض .. الحزن .. الوحدة .. اللامعنى .. الخوف .. الندم .. الفقد .. أو حتى الموت ..
    وفي حد بيقرأ .. في حد عارف ..

اترك تعليقاً