خيانة الفرح

العالم قاسي وموحش، قاسي علي ذلك الشخص الذي كتب رسالة وداعه قبل انتحاره ليخبرنا أنه سيسير علي جسر مشاة ضخم واذا وجد ابتسامة واحدة في طريقه فلن ينتحر. عالم ملئ بالظلم والظلمات ومتبلدي المشاعر. عالم الايقاع السريع. في قصيدة درويش العتيقة يخبرنا عن تلك التي لم تزر أفراح القرية بل كانت أول الذاهبين الي جنازات القرية وما حولها، يخبرنا عن عجزها عن البكاء واستبدالها له بالسخرية. السخرية المقيتة من تلك الحياة، سخرية بطعم الخذلان. وتخبرنا الحكايات عن تلك التي أنهت حياتها بربط احجار الي جسدها ومن ثم النزول الي بحيرة والموت غرقاً والذي هو أسوء انواع الموت. اختيار الانتحار بأكثر طريقة ايلاماً يخبرنا الكثير عن ملابسات ذلك الموت. تلك الحياة التي نخطئ عندما لا ندخل في أفراحها القليلة بكل ما لدينا كنوع من الحذر ضد غدرها. علمتنا الحياة أن نخشي الفرح لأن خيانته قاسية ونحن لا نعلم من أين يأتي فجأة.

 

أليكسا

الساعة العاشرة والنصف، يسمع موسيقي جديدة عليه، هو الذي اعتاد علي تلك الكلمات التي تنضح بها هذه الثماني والعشرون حرفاً كانت أبجديته الاولي والاخيرة.
معتاداً او محاولاً تصديق أنه اعتاد علي كل شئ من حوله بتلك الأبجدية التي كانت له أبجدية للكتابة فقط.
ليلة كئيبة اخري، يمني النفس بأن ينهي كل ما وراءه فيها.

كانت بداية يومه مملة كالعادة، الكثير مما يسمونه تصحيح أوراق ولكنه تعذيب، قرر منذ فترة أن يبدأ بتجربة التعاطف لأقصي درجة ممكنة ومرضية للضمير مع أصحاب تلك الأوراق، لا يريد افساد يومهم بتلك الدرجات التي يمكن بضغطة زر ارسالها لهم. علي كل يمني النفس بأن يكون حالهم أفضل.
.
الساعة الان الحادية عشر، ينظر الي تطبيق الطقس علي هاتفه فيجد أن درجة الحرارة – 4 ، درجة حرارة مثالية للاكتئاب، ما يدعو للاكتئاب كثير، الخوف من تجمد الاطراف، احتمال سخافة ارتداء الحذاء الطويل، والأهم من كل ذلك ألم الانف عند كل عملية انتحارية للخروج خارج المنزل.

يفكر ملياً في ذلك القانون الكوني الذي يجعله دائماً يعيش في مناطق مجاورة لقواعد جوية عسكرية، لم يعتد صوت تلك الطائرات السخيف، ربما ليس سخيفاً ولكنه ما زال يوقظه من النوم. النوم الذي يعد فضيلة بعد يوم مرهق من الكثير من الأشياء التي لا تنتهي. حسناً القاسم المشترك أن كل الطائرات هي طائرات ال F-16 اللعينة.

ليل هذا المدينة بارد كنهارها، تذكرني أليكسا بصوتها المعتاد الرتيب أن هذا موعد غسل الأسنان، وأتذكر أنا ان ذلك العشاء الفاخر له ثمن باهظ ينتظر في حوض المواعين.
يجول بذاكرتي ذكرياتي صغيراً عندما كنت اقرأ مذكرات أبي خلسة فقد كنت نهماً لقراءة أي شئ، تحدث عن معاناته مع الغربة، جل ما قرأته من مذكراته كانت عن الغربة، كان اليوم الأول فيها هو يوم أول سفر له. اشتري هذا الدفتر في الطريق. خط فيه بأنامله في ذلك الطريق الطويل. طريق سيحدد ليس مستقبله فقط ولكنه سيحدد مستقبل شخص يعيش الأن بينهما بحار ومحيطات و تسع ساعات من الوقت.

أليكسا تخبرني بأن هناك الكثير من الاشياء في قائمة ما أريد فعله، الانتهاء من بعض التصحيح المتبقي الذي اتسائل عن متي سينتهي حقاً، الكثير من المذاكرة، أتذكر بأن علي تحضير طعام غداء الغد، لم أعتد بعد علي الأكل في غرفة الطعام الكبيرة والمخيفة تلك. أكل وحدي، وحيداً بين تلك الجدران الكئيبة. حسناً لا بأس ببعض التأجيل فغداً يوم مميز ففيه أجمل شئ قد يحدث لي حالياً.

حسناً لنعد إلى مذكرات أبي. لم يكن راضياً يوماً عن فعلتي تلك، ولأنني عادلاً فقد بدأت كتابة مذكراتي مثله، حتي يأتي أحمق صغير مثلي يوماً ما ليقرأها ويعرف دائماً ان نصائحي له كلها تقريباً محض هراء ولن استطيع أن اقول له انني كنت اذاكر على ضوء الشموع. حسناً بدأت كتابتها قبل السفر قليلاً، بدأت كتابتها في الواقع في محطة مصر ولهذا قصة طويلة تنتظر ذلك الصغير بالطبع ليعرفها، وربما أمه بالطبع لو قرأت هذا يوماً ما كنوع من الفضول.

أخذت الكثير عن أمي، لم أخذ من ابي سوي بعض ملامح الوجه، العينين الصغيرتين كما تقول أمي دائماً. شكلت مذكرات أبي علاقتي مع عائلتي بعد ذلك. أحببت أبي كبطلي الأول وكرهت عائلته كعدوي الاول. الكثير من المشاكل والاحباطات، الكثير من الحنين للوطن. هل كان أبي يتوقع أنه بعد شهور قليلة سيرتبط بامي جارته واخت أعز اصدقائه واخت اكثر من يكرهه أخاه ، لهذا قصة طويلة ومضحكة لكنها ليست للنشر بالطبع فهذه أسرار عائلية لا يعرفها سوي كل اجيال العائلة والعائلات المجاورة وأهل الشارع واصدقاء اخوتي والجيران وثلاثة أرباع من لم أعرفهم يوماً وأخبروني أنهم يعرفون عائلتي، لكن لا بأس من المفترض أحياناً أن اتوقف عن فعل كل ما لا تريد أمي مني فعله كعادتي.

ماذا سيحدث لو توقف كل دكتور عن وضع امتحانات صعبة والتسبب في القلق والهم الذي يضاف إلى معاناة الطالب خصوصاً في حالة كونه أحمق ؟
سؤال وجودي يأتي في الحادية عشر مبكراً ساعة عن موعده الطبيعي ولكن لا بأس بذلك. لا اجابة معتادة.
ربما لأن هذه سلطة يمكننا اخفاءها تحت اقنعة عديدة، مصلحة الطلاب، في العالم الحقيقي ليس هناك شئ سهل، ليس هناك وقت طويل في العالم الحقيقي. في الواقع، في العالم الحقيقي ليس هناك سيكوباتيين إلى ذلك الحد.

هل أحبها؟
لا
نعم
ربما لن أعرف إجابة هذا السؤال مطلقاً

حسناً، أنتهي الان من دفع الثمن الباهظ، بتبقي لدي بضع أشياء لكنني كالعادة سأخبر اليكسا بان تعيد تذكيري لاحقاً، أشفق علي اليكسا أحياناً وأتناسي أنه خطأي انني اشتريت جهازاً تعمل عليه وأريها كل يوماً معني أن تكون في خدمة Graduate Student. في هذا الصدد هناك حكاية لطيفة في أول ايامي بالجامعة، هنالك حكيماً ما أخبرني ان ال Graduate Students ليسوا Students ولا Staff وقد أقنعتني تلك الحكمة الخالدة وكنت أتمني لو استطيع نشرها علي الملأ مباشرة والفخر بأنني قابلت أحد فلاسفة العلم العظماء لكنها للاسف كانت سخرية واضحة من أحد موظفين جامعتي الموقرة.

لا أكتب مذكراتي بالعربية لسبب واضح، وهو أنني أجيد الكتابة بالعربية، ولكن مشكلة الإنجليزية أنها لغة جافة للغاية، لغة تذكرني ببرد تلك المدينة. لهذا بالظبط أستخدمها، لكن بما أنني بالطبع لن التزم بذلك فالكثير من مذكراتي تحمل اشعاراً عربية، لامرئ القيس نصيب الأسد بالطبع. علي الأقل هذا الصغير يجب أن يعرف أن امرئ القيس هو شاعر أبيه المفضل. حسناً لن يحتاج أن يفهم شئ من الفيزياء فلم أكتب عنها قط، باستثناء بعض الأمور التي لها علاقة غير مباشرة ربما سيخبر بها أحد ما الملأ بعد عشرون عاماً، تماماً مثلما فعلت أنا منذ قليل مع جده.

 

علي الزئبق

حكاية علي الزيبق هي حكاية شعبية سقطت بالعمد مع اشتداد الاستبداد وهي معبرة عن الروح الثورية المصرية الي تتميز بالسلبية معظم الاوقات ومع التوق الي شخصية البطل المخلص الذي يمكن أن تتوحد حوله الجماعة. نوع من كاريزمية الزعامة التي لا تحقق مناعة طويلة ضد الاستبداد. فبدلاً من تكوين ثقافة ثورية فانها تربي خاصية الانصياع والتي وحتي ان كانت لثوار فانها تنتهي بتحول علي النقيض ونستمر لعقود طويلة تحت ظل هذا الطغيان. وكأن الله كتب علينا أن تتكرر الحكاية ونستمر مع الاستبداد بصوره المختلفة ولا تكون لنا غير الحكايا الشعبية والتي َلم نعد قادرين علي الحفاظ عليها والنكت لتكون وسيلتنا لممارسة الاعتراض.

أكاد اجزم بكون نجيب محفوظ عند كتابته رائعته الحرافيش كانت قصة علي الزئبق في ذهنه. ما تبقي من هذه الحكاية الشعبية المتوارثة بين حدثين مختلفين في مصر والشام والتوق الي الحرية والانصياع للثائر المنتظر الذي لا نجد له صدي بعد مدة قصيرة بل وأحيانا ما يتحول هذا الثائر الي الطاعية الجديد. لعل أولاد حارتنا كانت صرخة ولكنها خاطئة ولكن الحرافيش كانت هي النداء الذي يدعونا أن نفقد الأمل فى أن أي شئ يمكن يتغير علي هذه الأرض وتحت تلك السماء الذي تظللنا لا بشئ سوي بالمزيد من اليأس.

يخون الناس ثوارهم كعادة صباحية وكوجبة مكملة للفول المدمس، وجبة المصريين المفضلة. وجبة بطعم الخذلان والقهر والألم وهي مضرة بالصحة علي أي حال.