موج بحر

تسهر للثالثة فجراً ، تقنع نفسك بأن سهرك ليس لأنك لديك عشرات من الأمور المتأخرة ، كل ذلك لن يغير تلك الحقيقة التي تحاول مداراتها بأنك تختلق لعقلك العذر تلو العذر لكي لا تطفو كل تلك الذكريات الي مقدمة الأحداث.

لم تعد تريد رؤية شريط أيام تعلم أن فى نهايته خيبة أمل وهزيمة ، شريط يبدأ بجبال من الأمال حطمها جنزير دبابة وعلامتان علي الكتف ، هزيمة حلت بك وبمن حولك ، هزيمة ثقيلة جعلتك تكره كل هزيمة ولو فى لعبة لم تسمع عنها يوماُ. هزيمة كان للكثير ممن أكبر منك خبرة وسناٌ ومن المفترض عقلاٌ السبب الأكبر فيها.

يعود اليك طيف الأحداث رغماٌ عنك ، تضحك متألماً عندما تتذكر كيف كنت تصرخ فيهم هاهنا لا تفعلوا ذلك وهناك توقفوا ، نحن ذاهبون من ذلك الطريق فتعالوا معنا فهنا المستقبل . تتذكر ضحكاتهم وقهقهاتهم فتسمع أزيز من اذناك يؤلمك كما المرة الاولي تماماٌ.
محيط وبحرين والعديد من البحيرات ومازلت تشعر بحرارة الغصة التي اعترتك في لحظة إسدال الستار واعلان الهزيمة.

تتذكر كل ذلك وتسترجع رأسك قبل الغوص أكثر فى تفاصيل مؤلمة ، تغلق هاتفك فلا أحد يتصل بك منذ رحلت عن مسرح الهزيمة ، تحاول النوم ، تفشل ، تذهب لتحاول اعداد كوب من مشروبك المفضل الذي ما كان مفضلاٌ لك يوماٌ. مشروب مر يليق بمرارة الذكريات التي تجتاحك. أخر ما تحتاج إليه هو مرارة أخري ولكن تصبر نفسك بأن مره سيكون أهون بمئات المرات من خيانة من وثقت فيهم يوماٌ ما. وخيانة من كنت تؤمن بأنهم لن يخذلوك ولكنهم فعلوا.

ترتشف الرشفة الأولي ويعود لك طيف هذا الشخص باسماٌ لك يخبرك بأنه فعل ذلك من أجلك ، من أجل مستقبلك. تعلم وقتها كم ضحكت أنت وقتها ، كنت خير مثال لمن يضحك خيبة ، ضحك كالبكاء. تضحك مجدداٌ فما باليد حيلة وهذا العجوز قد لا يكون اليوم علي قيد الحياة لتكون له ذكري كتلك ليندم عليها ، أو ليفتخر بها!.

مع الرشفة الثانية تدرك أن القهوة تحتاج لمكعب سكر ، نسيت أن القهوة بعكس حكايتك يمكن أن تعدلها ، وقتها لم يأزف بعد ، يمكن أن تبرد ، ترميها وتعيد تشكيلها. حكايتك انتهت من قبل أن تبدأ ، أو قد تكون قد بدأت لكنها انتهت قبل أن تفوق من لحظة معانقة الحلم وهذا أقسي ما في حكايتك.

تأتي محملاً بحكايتك وهزيمتك لأرض حملت ملايين الحكايات الأخري وهزائم وأحداث وتواريخ وجغرافيا تحكي قصة تحتوي نفس النهاية ، تغادر الأرض ولكنك تظل مرتبطاً بها. حكايتك كانت هناك ، معركتك التي انتهت قبل نشوة حلمك كانت هناك ، أملك تحطم هناك ، فقدت الرفاق هناك وتركت البقية علي أمل إن كان فى العمر بقية.

الساعة الأن تعلن انها الرابعة ، غداً يوم عطلة لكن هذا ليس مبرر للبقاء مستيقظاً ، القهوة مشروب الذكريات ، تتذكر درويش عندما كتب عن القهوة ، تحاول العبث بذاكرتك لكي تأتي بما قال فتفشل ، تدرك كم أفسد محرك البحث بتقنية الذكاء الاصطناعي ذاك ذاكرتك فتلجأ إليه .

تقرأ ماذا قال درويش وتحزن

“لا قهوة تشبه قهوة أخرى. لكل بيت قهوته، ولكل يد قهوتها، لأنه لا نفس تشبه نفسًا أخرى. وأنا أعرف القهوة من بعيد: تسير في خط مستقيم، في البداية ، ثم تتعرح وتتلوى وتتأوّد وتتأوّه وتلتفّ على سفوح ومنحدرات، تتشبّث بسنديانة أو بلوطة، وتتفلّت لتهبط الوادي وتلتفت إلى وراء، وتتفتّت حنينًا إلى صعود الجبل وتصعد حين تتشتت في خيوط التاي الراحل إلى بيتها الأول “

قهوتك لا تشير إلي أي بيت ، لم تعد تجد قهوة البيوت التي أحببتها وحتي جامعتك التي رحل أحبتك عنها حتي من جعلوها بيتك يوماُ ما. كانت هزيمة أخري تلك لكنك كنت أعتدت ولم تعد لديك معركة تخوضها أو نشوة تعتريك هذه المرة.

تمر الذكريات وتشعر بالشوق للمرة الأولي ، لم يحدث منذ فترة طويلة ، تحاول الإمساك بتلك اللحظة ، تشحذ حواسك ولكنك تجد مع ذلك أنها تنساب وتعاندك كأنها تريد أن تعلن فشلك حتي فى الاشتياق!. هيا كان هناك فى تلك اللحظة من الشوق مياه و…
إنها مدينتك ، تعرف ذلك فلا شئ كان يجعلك تشتاق سواها. نيلها الذي أخبرت طالبتك بالأمس لماذا لا تحتفل بعيد فيضانه كرد علي سؤالها لماذا لا تحتفل بعيد الهلع. ذكرياتك مليئة بالهلع ولكن وحده نيل مدينتك يشعرك بالحنين. هناك علي ضفته أخدت صورتك التي حلمت بأنها ستكون دائمة إلي أن تستكمل حلمك ، رحل الرفاق والحلم وكل شئ ورحلت حتي صورتك من ذاكرتك ولم يبقي سوي تلك الضفة تحكي عن خيبة أملك.

الساعة الأن الخامسة وأنت تعب ، مرهق ، حزين ، وحيد ، لا لست غاضباُ ، عدت متبلداً فلم تعد مشاعر الغضب تسرى بذاخلك . مصل البرد الذي أخدته لأن المدينة التي رحلت إليها باردة لم يكن فعالأ مثل مصل البلادة التي اكتسبتها عندما عشت كل ما يأتي به طيف ذكرياتك ينغص عليك أحلامك وأنت نائم. تتساءل هل تحتاج لكوب أخر من القهوة ؟

تنفد قهوتك ، تفكر فى أن درويش لم يكتب يوماُ ما عن فقدان القهوة ، كان يتكلم دائماً عن شجونها ، عشقها ، أحلامها ولكنه لم يتحدث يوماً عن فقدانها. نحن لا نتحدث عن ما لا نريده فقدانه. لكننا نثرثر بالكثير حوله. هل افتقد درويش قهوته فى لحظة حنين ؟
هل خرجت إحدي قصائده فى لحظة كتلك ؟

الساعة الأن الخامسة والنصف والنوم بالتسبب إليك ، بطيئاً ، مملاً كأنه متواطئ مع تلك الذاكرة اللعينة. تخاف أن تري كل دلك فى أحلامك أيضاّ , فالأحلام مخيفة. تخاف أحلامك ، تحاول منع النوم. أحمق مستجيرأُ من الرمضاء بالنار أو من مستجيراً من احلامه بذكرياته خيباته.

الساعة الأن السادسة و……………….

خيانة

لم يكن يمتلك سوي نفسه ليعتز بها، كانت ثقته بها كبيرة ولكن عند تلك اللحظة انهار كل شئ , خانته أعز ما يملك، خانته أحاسيسه ومشاعره ، وفوقهم عقله، ذلك الذي أرهقه كثيراً. أرهقه حتي الثمالة. ما أحزنه لم يكن أن كل ما تمناه تلاشي، بل لأن كل ما سيتمناه سيتلاشي، تلاشت أمنياته وتلاشت معها كل ثقة بنفسه.

عندما تندثر الأحلام يمكن أن نستبدلها ، نحلم بغيرها ونسعي إليها، لكن مسعاه تحطم ومعها كل أمل جديد، لا يمكنه أن يحلم الأن فأحلامه ختم عليها ختم “هباءاً منثورا
يتمتم كل يوم اغنيته المفضلة وينتظر أفول شمس يوم اليوم ليخلد إلي النوم خائفاً يترقب من مطاردة تلك الأحلام له، تلك الحجارة التي ستبني بيوتاً تنهدم فوق رأسه.

شهور السنة

أيار شهر ولد للخذلان، ومواليده هم أكثر المخذولين في هذا العالم. أيار شهر لا يميزه شئ. لا رائحة له، لا نشعر بمروره. لا نشعر بمن يولد، يموت، يعيش في ايار.
كانون الأول هو شهر الكئابة والانتقال من الخريف ولياله المملة لبرد الشتاء القارس الذي لا تدفئه كل تلك الامال في انتظار الربيع.
امتحانات القلق هي تلك التي تكون في كانون الأول، تتحطم امال وتحيي اخري.

ليلتي تلك هي ليلة أخرى من تلك الليالي المقلقة التي من المفترض أن لدي بضعة سنوات لي في هذه الحياة لأعيش مثيلاتها.
في سقيع هذه المدينة شئ غريب. إنها لا تقلق الأرواح.
أنا هنا غريب، وكما قال امرئ القيس
أجارتنا إنا غريبانِ هاهُنا ،، وكلُ غريبٍ للغريبِ نسيبُ
أن تكون غريباً يعني أن تعيش عوالم اخري بداخلك، لا زلت لا تستطيع التأقلم مع البرد، مع النكات العابرة التي تسمعها ولا تفهم معناها، مع ابتسامات المجاملة التي لا تتوقف عنها. عن تلك اللافتات التي لا تلفت انتباهك. عن حياة سابقة. تطاردك ذكرياتها ومستقبل تجاهد من أجله.

ولكننا نحيي في هذا العالم ونحتمل تلك الغربة علي أمل ان شهر آب سيحمل لنا كل ما نحتاجه في هذه الحياة.
شهر آب خلق للسعادة والفرحة، خلق للخلود.

نحيي من أجل أن لا نري البيت التالي لامرئ القيس
فـإنْ تَصِلِينَـا، فَالقَـرَابَةُ بَيْنَنـا
وإنْ تَصْرِمِينَـا فالغَريـبُ غريـبُ.”
فالغريب غريب، والجهل في الوطن غربة والعلم في الغربة وطن.