مقبرة الكتب المنسية

مؤخراً انتهيت من قراءة الجزء الرابع والأخير من رائعة كارلوس زانوف مقبرة الكتب المنسية “متاهة الأرواح”. قرأت الأجزاء الثلاثة أيضاً فى 2019 وختمت العام بها وقد كانت رحلة مثيرة للغاية

رحلة فى أجواء الأدب القوطي وبرشلونة العنيدة. أحببت تلك المدينة حتي من قبل أن أراها. كانت الأجزاء الثلاثة متفاوتة، فبينما كانت الرائعة الفريدة ظل الريح تتربع علي العرش، كانت سجين السماء الجزء الثالث مخيبة للأمال كثيراً. أملت كثيراً أن يصالحنا الجزء الرابع وهو ما حدث.

 

فى أكثر بقليل من الألف صفحة يأخذنا زانوف عائداً إلي مقبرة الكتب المنسية ليبدأها ببعض من ذكريات فيرمين وبعدها يتعرض لحادثة انقاذه لبنت صديقه فى السجن الذي مات ووصاه بايصال رسالة إلي عائلته ولكن عندما يصل، يكون موسوليني قد قرر الموافقة علي طلب الجنرال فرانكو ويدك الطيران الايطالي مدينة برشلونة فى تلك الليلة والايام التي بعدها والتي تصاب فيها بنت صديقه التي حاول انقاذها والتي تعد بطلة هذا الجزء. ستنتقل بنا الأحداث أخذة منحي متصاعد ولكنها بنفس التيمة المعتادة بل وإن الحبكة المستفزة هي نفسها وهذا مما أنقص الرواية نجمة. بل حتي أن اللغز الأكبر يكمن فى ايزابيلا أم دانيال ولكنها أثبتت أنها أسوء شخصيات مقبرة الكتب المنسية إلي أبعد الحدود ولكن هذا حكم سأتركه لكل قارئ .

أليثيا وهي تلك الطفلة التي ستكبر والتي ستعمل مع جهاز أمن الدولة فى قضية اختفاء وزير التعليم والذي مع الوقت ستتكشف كم الفساد المستشري والخيانة التي ستظهر فى تجلي واضح لكيف يمكن للديكتاتوريات أن تتاجر بكل شئ، وحتي حياتهم وأولادهم وكيف يصبح الانسان رخيصاً للدرجة التي تصبح معه حياته هي هبة من المتنفذين فى السلطة .

تمر بنا الرواية عبر أزقة وحواري برشلونة وحكاياتها التي لا تنتهي وتأخذنا روعة الأدب القوطي وقدرة زانوف علي وصف مدينته التي يحبها كثيراً . وفى النهاية نجد أحد أسوء الحبكات فى التاريخ حيث أن زانوف دائماً ما اعتقد أنه يمكن أن يكتب كل شئ عن لسان خوليان حتي أنه أدخله فى النهاية بدون أي داعي وكأنه يصارع الخلود ولا يموت بينما مات كل الأصحاء من نفس العمر.

لم تكن رواية علي قدر التوقع بحجمها الكبير والذي كان يمكن اختصاره إلي أقل من النصف ولن نفتقد أي تسلسل للأحداث ولكنها كانت جيدة من حيث استخدامها لكل شخصيات وحكايا الأجزاء الماضية وهنا لا أعتقد أنه يمكن البدء بقراءة متاهة الأرواح لأنها تستدعي الكثير من الأحداث من الأجزاء السابقة خصوصاً في الفصول الأخيرة وهذا يتناقض مع ادعاء زانوف الشهير بأن أجزاء السلسلة غير مترابطة ويمكن عدم قراءتها بالترتيب أو عدم قراءتها كلها. وهنا يأتي الشك فى أن اغراء النجاح جعله يطيل ويكتب بعد أن استنفذ كل ابداعه فى ظل الريح.

رسالة إلي نسمة

 

 عزيزتي نسمة

بداية إسمحِ لي بتقديم نفسي إليكِ , أظن أنك لا تعرفين الكثير عني وهذا ليس بالشئ السئ فإلي حد بعيد أنا أيضاً لم أكن أعرف الكثير عني حتي وقت قريب . إنني فتي صعب المراس ولا يؤمن بالقصص والحكايا أو هكذا كنت , كنت هكذا دوماً ولكن هنالك من الحكايا ما تفرض نفسها علينا فتجعلنا نسبح فى خيالات تنسجها عقولنا التي ظننا أنها قد نسيت الخيال من فرط إنغماسها فى واقعية الحياة وروتينيتها الرتيبة التي تشعرني بالكئابة.

أكتب إليكِ لأنني أريد أن أكتب ولأننا نكتب في أحيان كثيرة لا لشئ سوي لتخليد لحظة ما، تلك اللحظة التي قد نكتشف أننا كنا في منتهي الحماقة بعد قليل او كثير فلا ضير ففي الغالب سنندم ونحن كائنات لحوحة لا تعرف القناعة وتندم في جميع الاحوال والاختيارات. نندم علي الصمت وعلي التفوه، فقط من لا يمتلك ما يخسره هو من يحيا بغير ندم، المشكلة هو أن من ليس لديه هو ما يخسره هو كائن غير موجود في عالمنا، قد يكون موجوداً لكن ربما في عالم تسير الغازات فيه طبقاً لقانون الغازات المثالي بدلاً من تعقيدات التصحيحات الرياضية المؤلمة.

لا نكتب إلا القليل عن لحظات السعادة الحقيقة ومن يكتب كثيراً عن لحظة سعيدة فهو يكذب أو هو أحمق بفطرته، فتلك اللحظات خلقت لتعاش بكل تفاصيلها وبكامل التركيز وليس لنحكي عنه. الكتابة فعل هروب ولا احد يود الهرب من السعادة، الكتابة فعل لجوء لبضعة مساحات تقدم لها أوراق اعتمادك فلا تقبل لجوئك وتعطيك مميزات اللجوء كاملة إلا إذا أعطيتها الضمان الكافي أنك ستخلص لها بتاتاً فلن تخون وطنك الجديد أبداً، لذا من يكتب مرة باخلاص سيلجأ وسيكتب ثانية، سيكتب حتي بين براثن الموت وعن الموت ذاته .
لا نكتب عن الكتابة إلا عندما نريد الاعتذار لها عن رحيلنا عنها، نكتب عن الكتابة ولها فلربما تقبلنا عندما نعود فهي الوطن، وطن الحب والحرب والعتاب والشوق والسعادة والأمل والوطن الذي نكتب فيه عن خيبات الأمل من أوطاننا. الكتابة فعل حرية وتمرد، نتمرد بها عن الواقع السئ الذي نعيش فيه، نشعر فيه بالحرية من قيود تبدأ من لحظة الميلاد ونرضعها مع حليب الامهات ، الكتابة هي لحظة نشوة وحرية، لحظة تستحق أن نعيشها من الحين إلى الاخر .

أكتب عن لحظة إنتهاء مادة الادب العربي , المادة التي اشتقت كثيراً لدراستها منذ ان سمعنا أنها ستكون متوفرة عندما كنا فى السنة الاولي ربما لا يعود الأمر فقط لعشقي للغة العربية لا فقط بإعتبارها لغة الوطن والمدينة والمجتمع الذي أعيش فيه، بل لانها الوعاء والحاضنة الرئيسية لجميع أفكاري وتخيلاتي. الأدب لا يمثل لي سوي بذرة الإحساس، الإحساس بمعاناة الأخرين ومشاهداتهم وألامهم، أفراحهم وكل ما يمكن ان نخزنه علي أوراق لم تعتد سوي علي حمل الثقيل من العبارات والمعاني.

يكمن إيماني التام بأن قراءة النصوص الأدبية هو مرأة علي القصص والحكايات التي لم تروي لنا ولن تروي إلا إذا سعينا نحن خلفها لنسمعها, لأن هنالك عوالم أخري تحتاج الي أن نفهمها وأن ندركها كجزء من إدراكنا لا فقط للعالم من حولنا بل لذواتنا التي ما هي فى النهاية إلا ترس مرتبط بالعديد من التفاعلات المختلفة منذ لحظة الميلاد حتي لحظة النهاية .
اسعدني ما درسته تماماً إذ أنه أتاح لي للمرة الاولي أن أمارس فعل قراءة الادب الذي يحكي الحكايا التي لم تحكي بكامل حريتي , بدون أن أسرق ذلك الوقت من شئ أخر , لعل هذا هو أبرز ما خرجت به من فائدة فأنا كنت مقتنعاً تماماً وما زلت بأن الادب ما هو الا تعبير عن الذات وعن الأفكار وأيضا عن “الخيال”

تعلمت عن نفسي الكثير هنا , تعلمت ألا أنظر دائماً إلي منطق الحق والباطل بل قد يكون هناك تطبيقاً للنظرية النسبية ليس فقط علي الكواكب والمجرات ولكن يمكن لمبدأ نسبية الحقائق أن يمتد أيضاً ليشمل خيالات الإنسان، خيالات عن مدينته وعن مجتمعه وهذا هو الخيال الذي يحركه إما من أجل فرض هذا الخيال أو من أجل الدفاع عن حقه فى الخيال من الأساس!.

الهوية هي موضوع ذاتي بالأساس ولا يمكن الاجابة عن اسئلة الهوية سوي بصعوبة بالغة ولأنني حتي الان لم أحسم أي من أسئلة الهوية فلا يمكنني سوي أن أقول أن كل ما نتعلمه فى هذه الحياة هو جزء من ماهيتنا التي هي فى النهاية جواب الهوية المؤقت، أو لنكن أكثر دقة ولنقل الجواب الذي يتيح لنا المماطلة والهروب للحصول علي بعض الوقت الأخر بعيداً علي إشكاليات الهوية التي تفتك بالبشر

أما عن أكثر النصوص التي أثرت في فهي عديدة ولكن كان أهمها علي الإطلاق هو رجال فى الشمس فهي الرواية البديعة التي تمتلئ بالرموز فى كل أركانها والتي أراد من خلالها غسان كنفاني أن يوصل الكثير والكثير من الرسائل فى عهد الاحباط والسلبية الذي كان يعيشه الواقع الفلسطيني بعد هزيمة العام 48، أما الإجابة عن سؤال لماذا أثرت في هذه الرواية إلي هذا الحد الكبير فربما قد تلخصه بضع كلمات كنا وضعتها كمراجعة علي الكتاب

“انتهيت بسرعة شديدة من هذه الأعجوبة التي لخص فيها غسان صورة معاناة غائبة تماماٌ فى سلسلة المأساة الفلسطينية، مأساة اللاجئين المعلقين ما بين دول اللجوء الباحثين عن سد الرمق والحاجات البشرية الإنسانية . وهو نفسه السؤال الذي ختم به أبو الخيزران الرواية لم أجد اجابة له سوي ما حدث فى الرملة”

لم يدقوا جدران الخزان لأن الموت أهون من أن تري الخيانة، ذكريات سقوط اللد والرملة ما زالت شاهدة فى نفوسهم ، طعم الذل والمهانة كان يكفيه، ليس انتحاراٌ لا ولكن ألا يمكننا أن نعتبر ان المأساة قد خرجت من رحم الخيانة، خيانة الجيوش العربية التي خاطب الفلسطينيون قائدها يوماٌ ما وأخبرهم أنه مجرد يومين وسيعودون الي أراضيهم وبعد سبعون عاماً ما زال أحفادهم ينتظرون نهاية اليومين.

أما عن المهارات التي تعلمتها فهي إلي حد كبير كوني أستطعت ادراك انه هناك علي الأغلب طرق غير طرق الصدام المباشر لفعل شئ ما أو نصرة قضية ما، أنا لا أري فى نفسي قادراً علي فعل الكثير من الأشياء من أجل تحقيق التغيير الذي أطمح به فى مدينتي ولا وطني ولا أمتي ولا حتي فى قسم الفيزياء الذي انتمي إليه ولأن كل منا ميسر لما خلق له فكلنا له المكان الذي يصلح له وقد لا يصلح فى غيره مهما بلغت براعته او درجة إجتهاده، هذا هو أهم ما تعلمته من هذه المادة التي تمنيت أن تستمر لفترة أطول حتي يمكنني الاستمتاع أكثر وأكثر ببمارسة فعل القراءة بدون الشعور بأني أختطف الوقت وأسرقه سرقة لكي أفعل هذا.

فى النهاية أنا ممتن تماماً وسعيد بأنى كنت جزء من كل هذا، وأرجو ألا تثقلك الرسالة أكثر من ذلك فأنا كنت أريد الإطالة أكثر لكن يبدو أن الكلمات بدأت تتساقط ولم تعد بتلك السلاسة.

ممتن بمعرفتك للغاية

نهاية العام

بينما تغلق السنة الحالية أبوابها، نشكرها علي كل ما منحتنا اياه من لطف وأيضاً علي كمية الضرب -علي القفا- التي أعطتنا اياها. سائلين المولي بأن يمنحنا عاماً أفضل. هذا العام هو أول عام ينتهي بالكامل فى حياتي الجديدة، بمشاعري الجديدة، مسكني الجديد وعملي الثابت الأول. وكذلك العام الذي كسرت فيه كل أرقامي القياسية فى قراءة الكتب. الفضل لذلك بالطبع يعود لشهيتي التي انفتحت كباب قصر ملكي فى استقبال ضيوفه لدوواين الشعر. أنهيت دوواين نزار قباني والأغلبية العظمي لدرويش وفاروق جويدة ولم أنسي المرور بالكثير من أمل دنقل.

اليوم انتهي أيضاً الفصل الدراسي، مرهق أنا ومازلت أشعر بأنني كما أنا، لم أتقدم كثيراً وكلما خطوت خطوة عدت إلي الوراء أضعافها، لم أعتد يوماً ما علي أن أرضي علي ما أقدمه ولم أتعود علي الثقة فى ان يساعدني شخصاً ما، لذلك لا أنتظر يد العون فى الغالب وتكون اللحظات القليلة التي أحصل فيها علي مساعدة -لن أطلبها فى الغالب- هي لحظات جميلة ونادرة.

أفكر فى الاكتفاء بقراءة عشر كتب فقط هذا العام، أريد تجربة عام بدون أن تكون القراءة شريكاً أساسياً فى حياتي. ليس الأمر لأنني مللت، بل لأنني فقط أريد أن أجرب شئ جديد ومن الجيد أن يكون كسر الروتين بشكل يجعلك أكثر كسلاً. مؤخراً تغيرت وأصبحت شخصاً يحب التقاط الصور الي حد كبير وأصبح هاتفي ملئ بصوري -ليست بالطبع كالمدمنين- ولدي 9 تطبيقات للصور وتعديلها هذا بالرغم من أنني لا أستعمل غير تطبيق كاميرا جوجل.

أفكر كتشجيع علي الاكتفاء بالعشر كتب أن ألزم نفسي بالكتابة المطولة عن كل كتاب هنا لأن ال Goodreads لم يعد هذا البيت المريح، أصبح موقع تواصلاً اجتماعياً بكل مساؤئه ولكنه حتي لم يعطنا مميزات الموقع الاجتماعي. بالمناسبة أنا أكره تطبيق Goodreads علي ال Android وأدعو الله أن ينتقم لنا من المسئول عن هذه الاعاقة التي أشعر بها عندما أفتحه.

جعل الله العام القادم عاماً سعيداً وملئ بالأفراح والأمال.

الحزن والبشر

حتي فى الحزن فان نفوس البشر تحب ذاتها، ولا تفكر الا فى نفسها أولاً وتظل رغبتها فى الشعور بالتفوق علي الأخرين متأصلة فيها. فالبشر أنانيون ولا يقدرون ما يشعر به الأخرين. دعنا نصيغ هذا الأمر بشكل أفضل.

هم يعطون حزنك الاهتمام ويسرفون في هذا الاهتمام أحيانا، لكنهم انتقائيون في هذه الأحزان التي يعطون وقتهم لها. فحين تحزن، لا يريدون منك أن تشعر إلا بتلك النغصة فى القلب و التي تتعافى بطبطبة على كتفك أو في أسوأ الأحوال بحضن يدوم دقيقتين -وهذا لا يصلح للرجال عندنا بالطبع- تفرغ فيه دموعك مع القليل من المخاط ثم تصبح شخص أسعد. يتوتر البشر من الأحزان الكبيرة التي لا تنتهي بانتهاء سجارتك. هم لا يريدون منك أن تحزن ذلك الحزن الذي تتمنى معه الموت، ذلك الشعور الأسود الذي يكبر داخلك ليغلفك ثم يبتلعك، تلك الحالة المزرية التي تجعلك تفكر في الانتحار أنه طوق النجاة الذي سيخلصك من ألمك.

 

لا يريد البشر أن تخطر على بالك فكرة القفز أمام كل سيارة تمر من جانبك وانت تمشي على الرصيف بلا وجهة. يعاتبوك إن عبرت لهم عن الألم الذي يشل دماغك عن التفكير بالنعم التي يحسدوك عليها. يتوقعون من حزنك أن يكون صغير بحجم يتناسب مع قدرتهم على الاحتمال.

يتوقعون من تلك الالأم التي تشعر بها أن تكون فى حجم اللقمة التي تمضغها وتبتلعها بسهولة مع الوقت وتتحول الي طاقة فيجب أن يتحول هذا الألم إلي ابداع وتحدي لنفسك للمزيد من السعادة !!. هكذا يريدون من ألمك، أن يكون صغيراً وسهل التعامل معه. أما خوفك الوجودي وسواد لياليك وأفكارك التي تكره معها كل من على الأرض لا يريدون سماعها ولا أن يسألوك عنها، أما لو كنت غبياً بما يكفي وحدثتهم عما بداخلك فسوف ينظرون إليك ويخبرونك بكل بلاهة أن “الحياة حلوة بس اللي يعيشها” وأنك “بتكبر المواضيع” أو ان “الحياة حلوة بس للي يفهمها”.

هكذا يتعامل البشر مع  أحزان الأخرين، ليس لأنهم يحبونك وخايفين عليك، بل لأنهم أنانيون. يعيشون علي هذا الشعور بأنهم سبب “شفاءك” و”خروجك من أحزانك” و”تحسن حالتك” وأنهم فى الطريق إلي كل هذا العلاج كانوا جزء من طريقك لتخطي حزنك وتخفيف ألمك.

مرسال العشق

 

 

 

لا أحد ابداً تعود يوماً علي فراق من أحب، ولا أحد تخطي بعد المسافات، لا أحد ينجو من عذابات الانفصال، ولا يوجد من يتحمل الفقد ،لا أحد يعتاد علي الألم، وكل تلك المرات التي نشعر فيها بخيبة الأمل فإننا ننزل نفس الدرك السفلي من العذاب ونكتوي بنار الهوي، تلك النيران التي تحطم جبالأ وتنسف جسوراً، لا أحد محصن من خيبات الأمل.

كل تلك المرات التي نمني النفس بيها بنظرة او ابتسامة من نحب، هي لحظاتنا الأسعد التي نسرقها من تلك الحياة، نريد التضحية بكل شئ من أجلها ورغم ذلك فهي لا تأتي غالباً، سنبكي بكاءً يصلح لاغراق البندقية مرة اخري. تبكي كمية دموع تستطيع إغراق فيل أفريقي بها، وليالي من البكاء كفيلة أن تجعل من أنفك خرطوم هذا الفيل. ثم حدث ولا حرج عن أطنان الآمال الخائبة التي يشوبها أمل العودة في يوم من الأيام، والأحلام المهدرة التي يسحقها واقعك الشرس، والأمال المنسية التي لا طائل الآن من حفظها أو السعي عليها. مشهد درامي يطغى عليه اللون البرتقالي بذراته الترابية التي تترامى على قلبك الأخضر الغض لتحوله في غضون أيام إلى صحراء تلهث لقطر الندى. كل ما حولك كئيب يملؤه الفراغ، فراغ يتسع مع مرور الوقت ليبلعك ويجبرك على إدراك حجم وحدتك الآن. وحدتك التي ستظن ولوقت طويل أنها أبدية كالموت. تقبع في ركن غرفتك على الأرض تتلقى الذكريات رفسات أسفل معدتك، تتكوّر على الأرض وتنزف الألم متمنيّا بأشد الصدق بأن ينتهي كل هذا بأي ثمن ما.

الأسوء من كل هذا هو وداع حب لم يكن لك يوماً ما، لا يوجد طريقة مختصرة لتتخطى حبّا لم يُكتب لك. ستعيش وتمضي في أيامك وحيدا بائسا لا تعرف للنوم طعم. ستحاول بكل ما أوتيت من فشل أن تضحك ولن تفلح. ستبكي بكل يأس العالم الساكن فيك. ستنزف من خناجر الذكريات وتموت من انتظار المكالمات. ستكره من هجرك طوال الصباح لتعود وتقع في حبه حين يغشاك الليل. ستدمن المسلسلات لتبنّج شعورك بالألم، مراراتك رأت الكثير فلن يضرها بعض المسلسلات التركية الكئيبة تلك. ستدمن المهدئات وحبوب النوم لتغرق في النوم لحظياً من دون المرور بنفق أفكارك اليائسة. ستمر بمراحل من الشعور المتذبذبة بين الاشتياق والكره واللوعة والحب والحقد والألم.

تصطبر على الحياة في بعد هذا الحب عنك، مؤمناً أن القدر لا يهديك إلا السعادة وإن طالت ليالي الأرق والكآبة. تحاول أن تعيش يومك متجاهلاً تفاصيل كثيرة تذكرك بهم، مثل شاشة هاتفك التي كلما أضاءت أحدثت في قلبك مهرجاناً من الآلام وكرنفالاً من الدموع المحبوسة والعديد من ألوان قوس قزح التي تشرق بالأمل الذي ينطفئ بمجرد أن ترى أن من يرسل لك هذه الساعة ليس “هو” . تصبر وانت تراه يضحك ويبكي وأحيانا يشتكي ويكره، ولابد لك من أن تتحمل، فمن كتبت له الحياة العيش من دونك، سيعيش بسعادة من دونك، ومن تقرر الأقدار أنه بأفضل حال بعيد عنك، سيبتعد عنك، ليعلّمك الله أن التعلّق بالأشخاص مرض، وأن حافة الجنون ماهي إلا عرض لمرض، وأنه لن يدوم لك أحد مهما طالت العشرة واسترسلت في حبك وتغنيت بالأشواق والذكريات والوجد. تصبر وتبدأ في اكتشاف أنواع السعادة السبعة أو الأربعون، التي تعلم أنت جيداً أنها كلها قائمة تختزل فى ابتسامة منه أو ضحكة ولكنك بحلول هذا الوقت يجب أن تكون وصلت لدرجة جيدة من القدرة علي ايهام نفسك بغير ذلك.

صديقي

كما قلت لك سابقاٌ أنك فى الحقيقة أفضل من أن تكون صديقي

فأنت يا سيدي لا تحب القهوة السوداء .. معدتك أرق من أن تتحمل وعثاء الكافيين، وذوقك أحلى من أن يشتهي المر من الشراب، الشاي الذي تشربه في المناسبات مليء بالسكر، وحلوياتك التي تشتهيها بعد كل وجبة “سكرها زيادة“.

وأنت يا سيدي تمتلك ضميراٌ مربوط بعقدة المسيح , فانت وان لم تقع فى الأخطاء ملاحق دائماٌ بشعور بالذنب , تهتز عندما تري دموع الاخرين
وتسعي لسعادتهم وتتمني لو كان بودك تقديم السعادة للاخرين فى أطباق ذهبية , تصلب مزاج يومك كله علي ابتسامة من تحبهم .
أما أنا فأنا كالقطب السالب من مغناطيس انت قطبه الموجب , أتميز بعلامة الناقص علي جبهتي
لطالما شعرت بالنقص وكلما حاولت إكمال ما نقص بي ازددت نقصان ولطالما كان الشعور بالنقص هو النقص بعينه

فأنا يا سيدي أكوي معدتي كل صباح بمرارة القهوة التي يصبغ سوادها خوفي من الحياة ومن فقدانه،أتخيل نفسي فى عالم أفلاطوني سعيد , متهور أضيع الساعات والدقائق فأنفقها هنا وهنالك

انا وانت يا سيدي لا نتشارك شيء ولا نشبه بعض ابدا, نشبه الاختلاف , نشبه التطرف, ونشبه المتضادات، نحن نسكن قطبي مغناطيس أنت موجبه وأنا سالبه ننجذب لبعضنا ولكننا لن نلتقي أبداٌ