القاهرة

 

القاهرة مدينة قبيحة وقميئة، هكذا كان رأيي دائماً حول تلك المدينة، منذ خمس سنوات كتبت هذا النص فى عامي الثاني فى الجامعة فى تلك المدينة اللعيبة.

هل سبق أن أخبرتكم أنني أكره القاهرة ؟؟ , بالطبع الأمر لا يتعلق بالطبع بمشاعري المتقلبة تجاه فكرة الوطن , ومصر والتي تتأثر بالأحوال التي أعيشها فيها , بل إنني بالفعل أكره القاهرة حتي فى أعتي لحظات الحرية والسعادة , والتي كانت فى خضم ثورة ال25 من يناير .

وقتها كنت شاباٌ مفعماٌ بالأمال والطموحات تجاه نهضة بلاده , وقتها كان عدم إهتمامك بكل تفصيلة وبكل معلم وبكل حدث فى الوطن هو سبب كافي عندي لإتهامك بالخيانة , حسنا ليس هذا موضوعنا الأن فهذه الأيام قد ولت بلا رجعة .

أشعر الأن بأنني فى القاهرة لا أفعل شئ سوي الرقص علي حافة الجنون , عندما كنت فى المنصورة (مسقط رأسي) كنت أستطيع الشعور بالأمان وكنت أستطيع الشعور بالدفء والعلاقات الاجتماعية كانت أبسط بكثير , لست من سكان القري والأرياف فأنا ولدت وأسكن فى المدينة لذا الأمر لا يتعلق بالإختلاف التقليدي بين حياة القري وحياة المدينة، هناك شئ ما أعمق يخنقني فى القاهرة , ربما هواءها الملوث الذي يجعلها العاصمة الأكثر تلوثاٌ فى العالم .
أو ربما لأنني لم أصب بالاكتئاب فى حياتي قبل أن أتي إلي هذه المدينة ؟؟
الاكتئاب , مرض العصر كما يطلقون عليه , لست أدري متي كانت المرة الأولي التي قابلت فيها مأفوناٌ من هؤلاء المكتئبين عندما كنت أعتقد بالفعل أنه مرض , وأنني بعيداٌ كل البعد عن الإصابة به .
المعضلة أنني أيضاٌ لا أتذكر متي تغير كل ذلك , وكيف أصبحت واحداٌ من هؤلاء المأفونين الذين ما لبث الأمر أن تداركت أن هؤلاء هم الواقعيون , هم الذين غرقت طفولتهم حتي النخاع فى مثاليات تربوا عليها ولم يشاهدوا تطبيقها أبداٌ حتي ممن ربوهم عليها , هؤلاء الذين قرأوا لأرسطو وأفلاطون , الذين غرقوا حتي النخاع فى حب اشعار البرغوثي وواقعية غابريل جارسيا , طربوا علي نغمات الموسيقي الصافية بمقطوعاتها الساحرة التي برعت بها أيدي فنانة نسجت من اضطراب تلك الأوتار حياة كاملة.
لم يكن الإكتئاب مرضاٌ , الاكتئاب أن يتوقف الزمن عن الحركة ، لتعش أنت في السجن الذي لا يراهُ الآخرون ، حياةً مؤبدة , حيث لا أحد سيشعر بك , لن يشعر احد عنما ينسحق إيمانك تحت ضغط الاحباطات المتوالية، أو أن تفقد صديق عمرك، .. القائمة طويلة من الأوجاع التي يمكنك أن تعدها ولن يشعر بها احد سواك.
وحتي لو أخبرت أحدهم فلن يشعر بك , ولن تشعر أنت بتحسن , كل ما يمكنه منحك من مشاعر وقتئذاٌ هي الشفقة فقط , الشفقة ولا غيرها , وقتها فقط تصل إلي النقطة التي يصل الألم فيها ذروته فيمضغك اليأس بين فكيه , قبل أن يدهسك الإحباط فى منتصف الطريق , وتستشعر عجز الأخرين عن مد يد العون لك , تصل إلي أن تشعر بان وحشة الألم ليست فى أن تتألم , بل فى أن تتألم وأنت لا تدري ما الذي يؤلمك حقيقةٌ .
يحيلك الألم إلي الصمت , ليحملك بدوره إلي مساحات أخري جديدة من آلام أخرى , يكون الكلام عنها وفيها ومنها شيئاٌ سخيفاٌ للغاية … ستجد أن المشكلة أن الألم يمكن أن يختفي فهو ألم عابر ,,, بينما تنسحق تماماً تحت مظلة الوجع المقيم، فالجروح تلتئم، ولكن الأوجاع مزمنة تنخرُ في الروح .
تفكر يوماٌ ما فى أن يشعر بما فى داخلك فلا يسعك سوي ان تعلوا وجهك إبتسامة ساخرة كبيرة , لو وجدت هذا الشخص وشكوته لطمئنك وأخبرك أن -كلنا فى الهوا سوا- , ولا يسعك سوي أن تشعر بمزيد من الألم وهذه المرة بشكل أكبر , فلا شىء يؤلم أكثر من محاولة التخفف من الألم
ندور فى تلك الحلقات المفرغة ليلاٌ وفى الصباح نخبر من يسألنا أننا بخير , كل ما فى الأمر ان دوراننا فى الحلقات المفرغة يصبح قصيراٌ كلما أمتد الوقت .
تتحول وقتها مثل بقية المكتئبين تنام فتنقبض روحك , ثم تبعث مرة أخري لتقوم بممارسة التظاهر بالحياة وو…….
حسناٌ ربما يكون الأمر متعلق بأن أبشع ما حدث لي ولمن أحبهم قد حدث فى القاهرة ؟؟ فالأمر قد يكون أعمق من مجرد المشاعر المتعلقة بخيبات الأمل , ولا علاقة بقصر الحكم الذي حكم علي أصدقائي بالاعدام فى ميادين الحرية وهما ينادون بها .
قد يتعلق أيضاٌ بالطبيعة الكلاسيكية للحياة الحديثة السريعة ونمط الحياة الذي يسرق الحياة نفسها , لم أعتد بعد علي الحياة تلك التي لا تأخذنا فقط من أحباءنا وتجعل كل شخص فى وادي ويسير فى طريقه وحيداٌ , لم أعتد علي إيقاع الحياة السريع والملئ بالنفاق والتملق والفساد فى القاهرة.
لا أعلم السر الحقيقي لكراهية مدينة كالقاهرة التي كانت يوماٌ ما العروس فى احلامي , كنت أتخيل حياة أفلاطونية فى القاهرة عندما كنت صغيراٌ , وقتها لم أزر من القاهرة سوي قلعتها الشامخة التي بناها صلاح الدين الأيوبي والذي يبدو أنه كل ما تبقي لمصر من صلاح الدين وعدل وشموخ صلاح الدين ,   بانوراما حرب أكتوبر التي لن تجد فيها سوي أطلال للماضي الذي نبكي عليه كطفل يكسر لعبته ثم يبكي عليها بعد ذلك !!!
حسناٌ لا أريد سرد المزيد من الأسباب فأنا لا أعلم تحديداٌ ما الذي يجعل قلبي ينقبض مع الخطوة الأولي لي علي رصيف محطة مصر , التي تمثل لي فى الاونة الأخيرة المكان الذي أشعر فيه بالسعادة يوم الخميس عندما أذهب إليها لأستقل  قطار يعود بي إلي أمي , ويمثل لي قمة السوداوية يوم الأحد فجراٌ عندما أخطو خطواتي فيه عائداٌ إلي القاهرة

أو عائداٌ إلي الجحيم ………

فلسطين

في طفولتنا كان الحدث الأبرز والذي شكل وعينا الأول حول مدي سوء العالم حولنا هو هؤلاء الأطفال الذين يحملون حجارة ويواجهون بها جنود بعتادهم العسكري ومدرعاتهم ودباباتهم ومشهد استشهاد الدرة الذي لن يغيب عن ذاكرتنا مهما حاول أنصار النسيان. كانت الرسالة الأولي عن حقيقة هذا العالم الذي لا يعترف بقيم قصص الأطفال.لا يعترف هذا العالم بالرحمة التي كنا نراها في قصص الأنبياء بالصلصال ولا يتمتع بالصدق الذي كانت امهاتنا يشجعننا عليه. في القضية الفلسطينية تشكلت هويتنا وفي فلسطين وجدنا الحقيقة المخيفة والتي تلتها حقائق كثيرة.

في سيرة الدكتور عبد الوهاب المسيري يحدثنا عن أسباب تحوله من الماركسية والمرجعية المادية للمرجعيةً الإسلامية عن الشعب الفلسطيني وتمسكهم بأرضهم وابداعهم في المقاومة كضمن أحد اسباب هذا التحول ويخبرنا أنه بكل المقاييس المادية فهذا الفعل هو انتحار وغير مجدي وأن العروض التي تنهال علي البعض للتخلي عن حق العودة ومنها الانتقال لبلاد اخري لا تعيش فيها تحت سلطة احتلال والتي يرفضها الكثيرين هو غباء من الناحية المادية. فما الذي يختلف عند هؤلاء؟ . كان هذا التساؤل مدخلاً لمراجعات أدت به في النهاية إلي العودة للمرجعية الإسلامية وبداية كتابته عن الصهيونية والحضارة الغربية.

في مراجعتها لرواية ابراهيم نصر الله زمن الخيول البيضاء تقول بثينة العيسي أننا كنا بحاجة لهذه الحكايات، نحن جيل القطيعة التي لم يعاصر النكبة ولا يعرف التاريخ علي النحو الذي ينبغي. ووصفها أحدهم بأنها محاولة للاجابة عن السؤال، كيف أكتب لكم الأن أنني أبكي؟.

في حرب ال٤٨ وعد أحد قادة الجيوش العربية التي دخلت فلسطين غير مستعدة لطرد العصابات الصهيونية سكان إحدي القري بأن اخلائهم للقرية ضرورة وأن كلها يومان وسيعودون وهذا العام نتذكر معا أن اليومان تأخرا حتي الأن ٧٢ عاماً كاملين لم تكن هزيمة ال٤٨ هي الهزيمة الأخيرة فيها.

بينما لخص نصر الله في روايته اعراس أمنة كل هذا عندما قال علي لسان بطلته ” كان يلزمنا قلوب أكبر لكي نتحمل كل هذا الأسي”.